تجاوز إلى المحتوى
محي الدين ابن العربيبوابة إلى التراث الأكبري
✦ محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

خلقه وشمائله وحالاته

النص المعروض من محفوظات المكتبة الأكبرية على الموقع.

۞ قراءة النص

نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.

☷ فهرس الكتاب
رقم المقطع: 25

خلقه وشمائله وحالاته

الأسنان، عنفقته بارزة، فكّاه حول العنفقة كأنها بياض اللؤلؤ، دقيق المرية، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، باديا متماسكا، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد المنكبين، جليل الكتدين، بين منكبيه خاتم النبوة وهو شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها من عرف فرس، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبّة والسّرة بشعر يجري كخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، سبط العصب، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسبح القدمين، ينبو عنهما الماء.

إذا أزل زال تقلعا، يخطو تكفأ، ويمشي هونا، ذريع المشية، كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة، يشوق أصحابه، يبدأ من لقي بالسلام، متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليس له راحة، لا ينطق في غير الحاجة، طويل السكت، يفتح الكلام ويختمه:

ببسم الله، ويتكلم بجوامع الكلم، فضل لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا ليس بالجاحف ولا المهين، يعظّم النّعم، وإن دقت لا يذم منها شيئا، ولا يذم مذاقا ولا يمدحه، و لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، وإذا تعرض للحق لا يعرفه أحد، ولا يقوم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، وإذا أشار أشار بكفه كلها، و إذا تعجب قلبها كلها، وإذا تحدث اتصل بها، فيضرب ببطن راحته اليمنى إبهام اليسرى، و إذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حبّ الغمام، كان دخوله لنفسه ما دون له في ذلك.

كان إذا آوى إلى منزله جزّأ نفسه ثلاثة أجزاء: جزء لله تعالى، وجزء لأهله، وجزء لنفسه. ثم يجزّئ جزءه بينه وبين الناس، فيردّ ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدّخر عنهم شيئا، فكان في سيرته في جزء أهله الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه عليهم على قدر فضلهم في الدنيا، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم فيما أصلحهم، والأمة عن مسألة عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، و يقول: «ليبلّغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع بلاغي، فإن من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبّت الله قدمه يوم القيامة» . ولا يذكر عنده الأراذل، ولا يقبل من أحد غيره عذره، يدخلون زواد، ولا يفترون إلا عن ذواق، و يخرجون أذلة.

وكان صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم، ويؤلفهم ولا يفرقهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم

رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=25

تنبيه: قد تتفاوت دقة التحقيق أو النسبة في بعض نصوص المكتبة. هذا التحديث يحسّن العرض والبحث ولا يغيّر محتوى الكتب أو يثبت صحة نسبتها.
الطبعة والمصدر

نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.