نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتابخلقه وشمائله وحالاته
كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي على أحد بشره ولا خلقه، يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عمّا في الناس، ويحسّن الحسن ويصوّبه، ويقبّح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكل حال عنده عياد، لا يقصّر عن الحق، ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، و أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا بذكر الله تعالى، لا يوطن الأماكن، و ينهى عن إيطانها، وإذا جلس إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ممن جالسه أو قاومه في حاجة صابرة، ما تفارقه حتى يده يكون هو المنصرف، ومن سأله في حاجة لم يردّه إلا بها أو ما يسره من القول.
قد وسع الناس بينهم منه بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه حلم، وحياء وصبر، وأمانة، لا ترفع عنده الأصوات، ولا تؤبّن فيه الحرم، ولا تثني فلتاته، معادلين متفاضلون فيه بالتقوى، متواضعون يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذوي الحاجة، ويحفظون الغريب.
وكان صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ، ولا غليظ، و لا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مزّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا ييأس ولا يخيب فيه مؤمّله، قد تزكى من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وتزكي الناس نفسه من ثلاث.
كان لا يذمّ أحدا، ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرتجى ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، إن تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوليتهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون، ويصبر على الغريب، على الجفوة، في مسألته ومنطقه، حتى إن كان أصحابه يستجلبون بهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب حاجة فأرشدوه» ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه.
وكان سكوته على أربع: الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكّر. فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكّره ففي ما يفنى ويبقى، وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يغضبه شيء، ولا يستفزّه. وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن
رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=26
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

