تجاوز إلى المحتوى
✦ إشارات تفسيرية في آيات القرآن

سورة ص — الآيات 44 — إشارات تفسيرية في آيات القرآن

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

۞ قراءة النص

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

☷ الفهرس
رقم السجل 1539

سورة ص — الآيات 44

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

[ الشكوى إلى اللّه لا تقدح في الصبر ]

" وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ» لا تعود لسانك الحنث ، وبر يمينك ولو بالضغث ، وهو قبضة الحشيش ، وجعلت الكفارة في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم لسترهم عما يعرض لهم من العقوبة في الحنث ، والكفارة عبادة والأمر بها أمر بالحنث إذا رأى خيرا مما حلف عليه ، فراعى الإيمان «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً» لا يرفع اسم الصبر عن العبد إذا حل به بلاء فسأل اللّه تعالى في رفع ذلك البلاء ،

كما فعل أيوب عليه السلام فقال : (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وأثنى اللّه عليه فقال : «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ» فما قص الحق عليك أمر أيوب عليه السلام إلا لتهتدي بهداه ،

إذا كان الرسول سيد البشر يقال له (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) فما ظنك بالتابع ؟ ولذلك إذا ابتلاك الحق بضر فاسأله رفعه عنك ، ولا تقاومه بالصبر عليه ، وما سماك صابرا إلا لكونك حبست نفسك عن سؤال غير الحق في كشف الضر الذي أنزله بك «إِنَّهُ أَوَّابٌ» أي رجّاع إلينا فيما ابتليناه به ، وأثنى عليه بالعبودية ،

وهذا يدل على أن الشكوى إلى اللّه لا تقدح في الصبر ، بل من آداب العبودية الشكوى إلى اللّه في رفع الضر والبلاء ، فليس الصبر حبس النفس عن الشكوى إلى اللّه في رفع البلاء أو دفعه ، وإنما الصبر حبس النفس عن الشكوى إلى غير اللّه ، والركون إلى ذلك

[إشارة :أعظم الفتن الخبر «خلق اللّه آدم على صورته» ]

الغير- إشارة -أعظم الفتن التي فتن اللّه بها الإنسان تعريفه إياه بأن خلقه على صورته ، ليرى هل يقف مع عبوديته وإمكانه ؟

أو يزهو من أجل مكانة صورته ؟

إذ ليس له من الصورة إلا حكم الأسماء ، فيتحكم في العالم تحكم المستخلف القائم بصورة الحق على الكمال وكذلك


من تأييد هذه الفتنة ، قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم يحكيه عن ربه : إن العبد إذا تقرب إلى اللّه بالنوافل أحبه ، فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، وذكر اليد والرجل - الحديث –

وإذا علم العبد أنه بهذه المثابة يسمع بالحق ويبصر بالحق ويبطش بالحق ويسعى بالحق لا بنفسه ، وبقي مع هذا النعت الإلهي عبدا محضا فقيرا ، ويكون شهوده من الحق وهو بهذه المثابة ، كون الحق ينزل إلى عباده بالفرح بتوبتهم ، والتبشيش لمن يأتي إلى بيته ، والتعجب من الشاب الذي قمع هواه ، واتصافه بالجوع نيابة عن جوع عبده ،

وبالظمإ نيابة عن ظمأ عبده ، وبالمرض نيابة عن مرض عبده ، مع علمه بما تقتضيه عزة ربوبيته وكبريائه في ألوهيته ، فما أثر هذا النزول في جبروته الأعظم ولا في كبريائه الأنزه الأقدم ،

كذلك العبد إذا أقامه الحق نائبا فيما ينبغي للرب تعالى يقول العبد : ومن كمال الصورة التي قال إنه خلقني عليها أن لا يغيب عني مقام إمكاني ، ومنزلة عبوديتي ، وصفة فقري وحاجتي ، كما كان الحق في حال نزوله إلى صفتنا حاضرا في كبريائه وعظمته ،

فيكون الحق مع العبد إذا وفّى بهذه الصفة ، يثني عليه بأنه نعم العبد إنه أواب ، حيث لم يؤثر فيه هذه الولاية الإلهية ولا أخرجته عن فقره واضطراره ؛ ومن تجاوز حدّه في التقريب انعكس إلى الضد ، وهو البعد من اللّه والمقت ، فاحذر نفسك فإن الفتنة بالاتساع أعظم من الفتنة بالحرج والضيق ، فإن كنت صاحب غرض ،

وتحس بمرض وألم فاحبس نفسك عن الشكوى لغير من آلمك بحكمه عليك ، كما فعل أيوب عليه السلام ، وهو الأدب الإلهي الذي علمه أنبياءه ورسله ، فإنه ما آلمك وحكم عليك بخلاف غرضك إلا لتسأله في رفع ذلك عنك ،

فإن من لم يشك إلى اللّه مع الإحساس بالبلاء وعدم موافقة الغرض فقد قاوم القهر الإلهي ،

فالأدب كل الأدب في الشكوى إلى اللّه في رفعه لا إلى غيره ، ويبقى عليه اسم الصبر كما قال تعالى في رسوله أيوب عليه السلام «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً» في وقت الاضطراب والركون إلى الأسباب ، فلم يضطرب ولا ركن إلى شيء غير اللّه ، إلا إلينا ، لا إلى سبب من الأسباب . فإنه لا بد طبعا عند الإحساس من الاضطراب وتغير المزاج ، بخلاف الآلام النفسية إذا وردت الأمور التي من شأنها أن تتألم النفوس عند ورودها ، فقد يتلقاها بعض العباد ولا أثر لها فيه على ظاهره ، والأمور المؤلمة إذا أحسّ بها تحرك لها طبعا ، إلا إن شغله عنها أمر يزيل إحساسه ، وكلامنا في ذلك مع الإحساس كأيوب وذي النون سلام اللّه عليهم.


(44) كتاب الإسراء - كتاب نقش الفصوص - الفتوحات ج 2 / 206 - ج 4 / 408 - ج 2 / 29 ، 206، 189 - ج 4 / 143
الطبعة والمصدر

إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

شارك هذه الصفحة