مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.
☷ الفهرسسورة غافر — الآيات 59-60
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (59) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60)
أمرنا الحق بهذه الآية أن ندعوه فقال : «وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي»
ثم قال تعالى : «أَسْتَجِبْ لَكُمْ» [ «وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي» : ]
اعلم أن العبد لا يكون مجيبا للحق حتى يدعوه الحق إلى ما يدعوه إليه ،
قال تعالى : (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) كذلك رأيناه تعالى لا يستجيب إلا بعد دعاء العبد إياه كما شرع ، فقال تعالى : «وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» فاشترك العبد والحق في القضية ، من كون الحق يجيب العبد إذا دعاه وسأله ، كما أن العبد يجيب أمر اللّه إذا أمره ، وإجابة الحق إيانا فيما دعونا به على ما يرى الإجابة فيه ، فهو أعلم بالمصالح منا ،
فإنه تعالى لا ينظر لجهل الجاهل فيعامله بجهله ، وإنما الشخص يدعو والحق يجيب ،
فإن اقتضت المصلحة البطء أبطأ عنه الجواب ، فإن المؤمن لا يتهم جانب الحق ،
وإن اقتضت المصلحة السرعة أسرع في الجواب ، وإن اقتضت المصلحة الإجابة فيما عيّنه في دعائه أعطاه ذلك ،
سواء أسرع به أو أبطأ ، وإن اقتضت المصلحة أن يعدل مما عيّنه الداعي إلى أمر آخر أعطاه أمرا آخر لا ما عينه ، فما جاز اللّه لمؤمن في شيء إلا كان له فيه خير ،
فإياك أن تتهم جانب الحق فتكون من الجاهلين ، ثم قال تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي»
يعني بالعبادة هنا عين
الدعاء ، والدعاء مخ العبادة ، أي من يستكبر عن الذلة إليّ والمسكنة ، فإن الدعاء سماه عبادة ، والعبادة ذلة وخضوع ومسكنة «سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ» وهو البعد عن اللّه ، فإن جهنم سميت به لبعد قعرها ، «داخِرِينَ» أي أذلاء ، فوصفهم الحق بأنهم لا يخرجون عن العبودية ، وأن الذلة حقيقتهم
[ إشارة : من لم ير أن يكون عبدا لي فإنه سيكون عبدا لطبيعته ]
-إشارة -من لم ير أن يكون عبدا لي كما هو في نفس الأمر ، فإنه سيكون عبدا لطبيعته التي هي جهنم ، ويذل تحت سلطانها ، كما هو ليس هو في نفس الأمر ، فترك العلم واتصف بالجهل ، فلو علم لكان عبدا لي وما دعا غيري ، كما هو في نفس الأمر عبد لي ، أحب أم كره ، وجهل أو علم ، وإذا كان عبدا لي بدعائه إياي ولم يتكبر في نفسه أن يكون عبدا لي عند نفسه ، أعطيته التصريف في الطبيعة ، فكان سيدا لها وعليها ، ومصرفا لها ومتصرفا فيها ، ومن استكبر عن عبادتي ولم يدعني في السراء وكشف الضر ، تعبدته الأسباب فكان من الجاهلين ، وأما إذا فعلوا ما أمروا به من دعاء اللّه جازاهم اللّه بدخول الجنة أعزاء
-تحقيق[ : المآل إلى الرحمة مع التخليد في جهنم ]
- إن اللّه تعالى لما اتصف بالغيرة ، ورأى ما يستحقه من المرتبة قد نوزع فيها ، ورأى أن المنسوب إليهم هذا النعت وهذا الاسم لم يكن لهم فيه قصد ولا إرادة ، من فلك وملك ومعدن ونبات وحيوان وكوكب ، وأنهم يتبرءون ممن عبدهم يوم القيامة ، قضى اللّه حوائج من عبدهم غيرة ، ليظهر سلطان هذه النسبة ، لأنهم ما عبدوه لكونه حجرا ولا شجرا ، بل عبدوه لكونه إلها في زعمهم ، فالإله عبدوا ، فما رأى معبودا إلا هو ، ولهذا يوم القيامة ما يأخذهم إلا بطلب المعبودين ، فإن ذلك من مظالم العباد ، فمن هناك يجازيهم اللّه بالشقاء لا من حيث عبادتهم ، فالعبادة مقبولة ، ولهذا يكون المآل إلى الرحمة مع التخليد في جهنم ، فإنهم أهلها ، وقد اجتمعوا معنا في كوننا ما عبدنا هذه الذات لكونها ذاتا بل لكونها إلها ، فوضعنا الاسم حقيقة على مسماه ، فهو اللّه حقا لا إله إلا هو ، فلما نسبنا ما ينبغي لمن ينبغي سمانا علماء سعداء ، وأولئك جهلاء أشقياء ، لأنهم وضعوا الاسم على غير المسمى فأخطئوا ، فهم عباد الاسم ، فراعى الحق سبحانه قصدهم حيث أنهم ما عبدوا إلا اللّه لا الأعيان ، فصيرهم في العاقبة إلى شمول الرحمة بعد استيفاء حقوق المعبودين منهم ، ولذلك جعله من الكبائر التي لا تغفر
-رقيقة-[ : ما سبق العلم به كائن ، ولا ينجي حذر من قدر ]
- لما كان الحق له حضرة الإطلاق عن التقييد ، ففي موطن يقول سبحانه :ادْعُونِي؛ وفي موطن يعرفنا بأنه قد قضى القضية ، وما يبدل القول لديه ، وما سبق العلم به فهو كائن ، ولا ينجي حذر من قدر ، قلت بيتين
فيهما رمز حسن وهما :إذا قلت يا اللّه قال لم تدعو ؟
*** وإن أنا لم أدع يقول ألا تدعو ؟
فقد فاز باللذات من كان أخرسا *** وخصص بالراحات من لا له سمع
الرابط الدائم: /books/tafsir.php?id=1606
إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.
