تجاوز إلى المحتوى
محي الدين ابن العربيبوابة إلى التراث الأكبري
✦ إشارات تفسيرية في آيات القرآن

سورة الناس — الآيات 3-4 — إشارات تفسيرية في آيات القرآن

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

۞ قراءة النص

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

☷ الفهرس
رقم السجل 2309

سورة الناس — الآيات 3-4

إِلهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (4)

- إشارة -صلاة الخائف عند المسايفة -

حال المسايفة هو حال العبد مع الشيطان في وسواسه ، وحين توسوس إليه نفسه ، واللّه في تلك الحالة أقرب إليه من حبل الوريد ، فهو مع قربه في حرب عظيم ، فإذا نظر العبد في هذه الحال إلى هذا القرب الإلهي منه ، فإنه يصلي ولا بد من هذه حالته ، ولو قطع الصلاة كلها في محاربته ، فإنه إنما يحاربه باللّه ، فإنه يؤدي الأركان المشروعة كما شرعت ،

بالقدر الذي هو فيه من الحضور مع اللّه في باطنه في


صلاته ، كما يؤدي المجاهد الصلاة حال المسايفة بباطنه كما شرعت ، بالقدر الذي يستطيعه من الإيماء بعينيه والتكبير بلسانه في جهاد عدوه في ظاهره ، فإن وسوسة الشيطان في ذلك الوقت لم تخرجه عما كلفه اللّه من أداء ما افترضه عليه ،

وإن أخطر له الشيطان إذا رأى عزمه في الجهاد في اللّه ، أن يقاتل ليقال ، رغبة منه وحرصا أن يحبط عمل هذا العبد ، وكان قد أخلص النية أولا عند شروعه في القتال ، أنه يقاتل ذابا عن دين اللّه ، ولتكون كلمة اللّه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ، فلا يبالي بهذا الخاطر ،

فإن الأصل الذي بنى عليه صحيح ، والأساس قوي ، وهو النية في أول الشروع ، فإن عرض الشيطان له بترك ذلك العمل الذي قد شرع فيه على صحة ، ووسوس إليه أنه فاسد بما خطر له من الرياء ،

فيرد عليه بقوله تعالى (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) فتدفع بهذه الآية الشبهة التي ألقاها إليك من ترك العمل .

[سورة الناس (114) : آية 5]

الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)

اعلم أن النفس وإن كانت مقيدة ، فهي لا تشتهي التقييد بذاتها ، وتطلب السراح والتصرف بما يخطر لها من غير تحجير ، فإذا رأيت النفس قد حبّب إليها التحجير فقامت به طيبة ، وكره إليها تحجير فقامت به وإن قامت غير طيبة مكرهة ،

فتعلم قطعا أن ذلك التحجير مما ألقي إليها من غير ذاتها ، كان التحجير ما كان ، فإذا حبب إلى نفوس العامة القيام بتحجير خاص ، فتعلم قطعا أن ذلك التحجير هو الباطل ،

الذي يؤدي العامل به إلى شقاوة العامل به والواقف عنده ، فإن الشيطان الذي يوسوس في صدره يوسوس إليه دائما ويحببه إليه ، لأن غرضه أن يشقيه ، وإذا رأيته يكره ذلك التحجير ويطلب تأويلا في ترك العمل به ، فتعلم أن ذلك تحجير الحق الذي يحصل للعامل به السعادة ، ولهذا نرى من ليس بمسلم يثابر على دينه وملازمته - كأكثر اليهود والنصارى- أكثر مما يثابر المسلم في إقامة جزئيات دينه ،

ومثابرته على ذلك دليل على أنه على طريق يشقى بسلوكه عليها .

(4) الفتوحات ج 1 / 474
الطبعة والمصدر

إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.