الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

قراءة وشرح كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

موقع القناة على اليوتيوب

3-2- الجزء الثالث من السفر الأول من الفتوحات المكية - العقيدة العامة لأهل الإسلام

http://www.ibnalarabi.com/video 3-2- قراءة في كتاب الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي - الجزء الثالث من السفر الأول وهو المقدمة - عقيدة أهل الإسلام
وصلٌ يتضمَّن ما ينبغي أن يُعتقد في العموم، وهي عقيدة أهل الإسلام مسلَّمة من غير نظرٍ إلى دليلٍ ولا إلى برهان:
(العقيدة العامّة)
فيا إخوتي المؤمنين، ختم الله لنا ولكم بالحسنى: لَمّا سمعت قوله تعالى (في سورة هود) عن نبيه هود عليه السلام حين قال لقومه المكذِّبين به وبرسالته: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ الله وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [-هود: 54]، فأشهد عليه السلام قومه، مع كونهم مكذِّبين به، على نفسه بالبراءة من الشِّرك بالله والإقرار بأحديَّته لَمّا علم عليه السلام أنّ الله سبحانه سيوقف عبادَه بين يديه ويسألهم عمّا هو عالِمٌ به لإقامة الحجَّة لهم أو عليهم، حتى يؤدِّي كلُّ شاهد شهادته. وقد ورد (في الحديث عن النبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم) أنَّ المؤذِّن يشهد له مدى صوته من رطبٍ ويابسٍ وكلُّ من سمعه، ولهٰذا يُدبر الشَّيطان عند الأذان وله حصاص، وفي رواية وله ضراط، وذٰلك حتى لا يسمع نداء المؤذِّن بالشَّهادة فيلزمه أن يشهد له فيكون بتلك الشَّهادة له من جملة من يسعى في سعادة المشهود له، وهو عدوٌّ محضٌ ليس له إلينا خيرٌ ألبتّه، لعنه الله.
وإذا كان العدوُّ لا بدَّ أن يشهد لك بما أشهدته به على نفسك فأحرى أن يشهد لك وليُّك وحبيبُك ومن هو على دينك ومِلَّتك، وأحرى أن تُشهده أنت في الدَّار الدُّنيا على نفسك بالوحدانيَّه والإيمان.
(الشَّهادة الأولى)
فيا إخوتي ويا أحبَّائي رضي الله عنكم، أَشهدَكم عبدٌ ضعيفٌ مسكينٌ فقيرٌ إلى الله تعالى في كلِّ لحظةٍ وطرفةٍ، وهو مؤلِّفُ هٰذا الكتاب ومنشؤُه، أشهدَكم على نفسه بعد أن أشهدَ الله تعالى وملائكته ومن حضره من المؤمنين وسمعه أنَّه يشهد قولاً وعقداً أنّ: الله تعالى إلٰه واحدٌ لا ثانيَ له في ألوهيَّته، مُنَزَّهٌ عن الصَّاحبة والوَلد، مالِكٌ لا شريكَ له، مَلِكٌ لا وزير له، صانعٌ لا مُدبِّر معه، موجودٌ بذاته من غير افتقارٍ إلى موجدٍ يوجده، بل كلُّ موجودٍ سواه مفتقرٌ إليه تعالى في وجوده، فالعالَم كلُّه موجودٌ به، وهو وحدُه متَّصفٌ بالوجود لنفسه، لا افتتاح لوجوده، ولا نهاية لبقائه، بل وجودٌ مطلقٌ غيرُ مقيَّد، قائمٌ بنفسه، ليس بجوهرٍ متحيِّزٍ فيُقدَّر له المكان، ولا بعَرَضٍ فيستحيل عليه البقاء، ولا بجسمٍ فتكون له الجهة والتِّلقاء، مقدَّسٌ عن الجهاتِ والأقطار، مرئيٌّ بالقلوب والأبصار، إذا شاء استوى على عرشِه كما قاله وعلى المعنى الَّذي أراده، كما أنَّ العرش وما سواه به استوى، وله الآخرة والأولى، ليس له مثَلٌ معقول، ولا دلَّت عليه العقول، لا يحدُّه زمانٌ ولا يقلُّه مكان، بل كان ولا مكان وهو على ما عليه كان، خلق المتمكِّن والمكان، وأنشأ الزَّمان، وقال أنا الواحدُ الحيُّ، لا يؤوده حفظُ المخلوقات، ولا ترجع إليه صفةٌ لم يكن عليها من صنعه المصنوعات، تعالى أن تحلَّه الحوادث أو يحلَّها، أو تكون بعده أو يكون قبلها، بل يُقال كان ولا شيء معه، فإن القبل والبعد من صيغ الزَّمان الَّذي أبدعه، فهو القيُّوم الَّذي لا ينام، والقهَّار الَّذي لا يُرام، ليس كمثله شيء (الشورى، 11)، خلق العرش وجعله حدَّ الاستواء، وأنشأ الكرسيَّ وأوسعه الأرض والسَّماوات العلى، اخترع اللوح والقلم الأعلى، وأجراه كاتباً بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء، أبدع العالَم كلَّه على غير مثالٍ سبق، وخلق الخلق وأخلق الَّذي خلق، أنزل الأرواح في الأشباح أُمناء، وجعل هذه الأشباح المنَزَّلة إليها الأرواح في الأرض خُلفاء، وسخَّر لنا ما في السَّماوات وما في الأرض جميعاً منه، فلا تتحرَّك ذرَّةٌ إلا إليه وعنه، خلق الكلَّ من غير حاجةٍ إليه، ولا موجبَ أوجبَ ذٰلك عليه، لكنَّ علمه سبق بأن يخلق ما خلق، فـ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ﴾ [57-الحديد: 3]، ﴿أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً﴾ [-الطّلاق: 12]، ﴿وَأَحْصى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً﴾ [-الجنّ: 28]، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى﴾ [-طه: 7]، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [-غافر: 19]، كيف لا يعلم شيئاً هو خلقه، ﴿أَلا يَعْلَمُ من خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [-المُلك: 14]، عَلِم الأشياء منها قبل وجودها، ثمَّ أوجدها على حدِّ ما علمها، فلم يزل عالِماً بالأشياء، لم يتجدَّد له علمٌ عند تجدُّد الإنشاء، بعلمه أتقن الأشياء وأحكمها، وبه حكّم عليها من شاءَ وحكّمها، علم الكلِّيَّات على الإطلاق، كما علم الجزئيات بإجماعٍ من أهل النَّظَر الصَّحيح واتِّفاق، فهو ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [-المؤمنون: 92]، ﴿فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [-البروج: 16]، فهو المريدُ الكائنات في عالَم الأرض والسموات، لم تتعلَّق قدرته بشيء حتى أراده، كما أنَّه لم يُردْهُ حتى علِمه، إذ يستحيل في العقل أن يُريد ما لا يعلم أو يفعل المختارُ المتمكِّن من ترك ذٰلك الفعل ما لا يريد، كما يستحيل أن توجد نِسبُ هذه الحقائق في غير حيٍّ، كما يستحيل أن تقوم الصِّفات بغير ذاتٍ موصوفةٍ بها، فما في الوجود طاعةٌ ولا عصيان، ولا رِبحٌ ولا خُسران، ولا عبْدٌ ولا حُرٌّ، ولا بَرْدٌ ولا حَرٌّ، ولا حياةٌ ولا موت، ولا حصولٌ ولا فوت، ولا نهارٌ ولا ليل، ولا اعتدالٌ ولا ميل، ولا برٌّ ولا بحر، ولا شَفعٌ ولا وَتر، ولا جوهرٌ ولا عَرَض، ولا صِحِّةٌ ولا مرض، ولا فَرَحٌ ولا تَرَح، ولا رُوحٌ ولا شَبَح، ولا ظلامٌ ولا ضياء، ولا أرضٌ ولا سماء، ولا تركيبٌ ولا تحليل، ولا كثيرٌ ولا قليل، ولا غداةٌ ولا أصيل، ولا بياضٌ ولا سواد، ولا رُقادٌ ولا سُهاد، ولا ظاهرٌ ولا باطن، ولا متحرِّكٌ ولا ساكن، ولا يابسٌ ولا رطب، ولا قِشرٌ ولا لُبّ، ولا شيءٌ من هذه النِّسبِ المتضادَّات منها والمختلفات والمتماثلات إلاَّ وهو مُرادٌ للحقِّ تعالى، وكيف لا يكون مراداً له وهو أوجده.

مقاطع مشابهة
مقاطع عشوائية من كتب مختلفة
كتب ورسائل أخرى

تمت مشاهدة هذه الصفحة 163298 مرة، وقد بلغ عدد المشاهدات لجميع الصفحات 889323 مرة منذ .