موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية

*** يرجى الملاحظة أن بعض هذه الكتب غير محققة والنصوص غير مدققة ***

رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار

للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله واهب العقل ومبدعه، وناصب النقل ومشرّعه، له المنّة والطَّوْل، وله القوّة والحوْل، لا إله إلا هو ربُّ العرش العظيم، وصلّى اللّه على من أقام به أعلام الهدى، وأنزله بالنور الذي أضلَّ به من شاء وهدى، وسلَّم، وعلى آله الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أجبت سؤالك أيها المولى الكريم، والصفي الحميم، في كيفية السلوك إلى ربِّ العزة، تعالى، والوصول إلى حضرته، والرجوع به من عنده إلى خلقه، من غير مفارقة؛ فإنه ما ثَمَّ في الوجود إلا اللّه تعالى وصفاته وأفعاله، فكلٌّ هو وبه ومنه وإليه، ولو احتجب عن العالم طرفة عين لفني العالم دفعة واحدة؛ فبقاؤه بحفظه ونظره إليه، غير أنه من اشتد ظهوره في نوره بحيث أن تضعف الإدراكات عنه، فيُسمي ذلك الظهور حجابًا.

فأوّل ما أبيّنه لك، وفّقك اللّه، كيفية السلوك إليه ثم كيفية الوصول والوقوف بين يديه، والجلوس في بساط مشاهدته وما يقوله لك، ثم كيفية الرجوع من عنده إلى حضرة أفعاله، به وإليه، والاستهلاك فيه، وهو مقام دون الرجوع.

فاعلم أيها الأخ الكريم: أنّ الطرق شتّى، وطريق الحق مفردة، والسالكون طريق الحق أفراد.

ومع أن طريق الحق واحدة، فإنه يختلف وجوهه باختلاف أحوال سالكيه، من اعتدال المزاج وانحرافه، وملازمة الباعث ومعيته، وقوة روحانيته وضعفها، واستقامة همته وميلها، وصحة توجهه وسقمه؛ فمنهم من تجتمع له، ومنهم من تكون له بعض هذه الأوصاف: فقد يكون مطلب الروحانية شريفًا ولا يساعده المزاج، وكذلك ما بقي.

فأوّل ما يتعين علينا أن نبين لك معرفة المواطن كم هي وما يقتضي ما أريد منها هنا، الموطن عبارة عن محلّ أوقات الأوراد التي تكون فيه. وينبغي لك أن تعرف ما يريده الحق منك في ذلك الموطن، فتبادر إليه من غير تثبّط ولا كلفة، والمواطن وإن كثرت فإنها ترجع إلى ستة:

1. الأوّل موطن "ألست بربكم" وقد انفصلنا عنه.

2. والثاني موطن الدنيا التي نحن الآن فيها.

3. والثالث موطن البرزخ الذي نصير إليه بعد الموت الأصغر والأكبر.

4. والرابع موطن الحشر بأرض الساهرة والردّ في الحافرة.

5. والخامس موطن الجنة والنار.

6. والسادس موطن الكثيب خارج الجنة.

وفي كل موطن من هذه المواطن مواضع هي مواطن في المواطن، ليس في القوة البشرية الوفاء بها لكثرتها، ولسنا نحتاج في هذا الموضوع منها إلا إلى موطن الدنيا الذي هو محلّ التكليف والابتلاء والأعمال.

فاعلم أن الناس مذ خلقهم اللّه تعالى والمكلفين وأخرجهم من العدم إلى الوجود لم يزالوا مسافرين وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة والنار، وكل جنة ونار بحسب أهلها.

فالواجب على كل عاقل أن يعلم أن السفر مبني على المشقة وشظف العيش، والمحن والبلايات، وركوب الأخطار والأهوال العظام؛ فمن المحال أن يصح فيه نعيم أو أمان أو لذة، فإن المياه مختلفة الطعم، والأهوية مختلفة التصريف، وأهل كل منهلة يخالف طبع أهل المنهلة الأخرى، فيحتاج المسافر لما يصلح بتلقي كل عالم في منزله فإنه عندهم صاحب ليلة أو ساعة وينصرف فأنّى تُعقل الراحة فيمن هذه حالته!

وما أوردنا هذا ردًّا على أهل النعيم في العاملين لها والمكبين على جمع حطامها فإن أهل هذا الفعل عندنا أقل وأحقر من أن نشتغل بهم أو نلتفت إليهم وإنما أوردنا لذة لمن استعجل لذة المشاهدة في غير موطنها الثابت وحالة الفنا في غير منزلها والاستهلاك في الحق بطريق المحق عن العالمين، فإن السادة منا أنفوا من ذلك لما فيه من تضييع الوقت ونقص المرتبة ومعاملة الموطن بما لا يليق، فإن الدنيا سجنه وتعلق الهمة والذكر في استجلابه تجليه، وهو سوء أدب في حقه، وفاته أمر كبير منه، فإن زمان الفناء في الحق زمان ترك مقام أعلى مما هو فيه، لأن التجلي على قدر العلم وصورته فما حصل لك من العلم به منه في مجاهدتك وتهيُّئِك في الزمان الأوّل مثلا ثم أشهدت في الزمان الثاني فإنما تشهد منه صورة علمك المقررة في الزمان الأوّل فما زدت سوى انتقالك من علم إلى عين، والصورة واحدة، فقد حصّلتَ ما كان ينبغي لك أن تؤخّره لموطنه وهو الدار الآخرة التي لا عمل فيها، وإن زمان مشاهدتك لو كنت فيه صاحب عمل ظاهر وتلقِّي علم باللّه باطن كان أوّلى بك، لأنك تزيد حسنًا وجمالا في روحانيتك الطالبة ربّها، وفي نفسانيّتك الطالبة حصّتها، فإنّ اللطيفة الإنسانية تحشر على صورة علمها، والأجسام تنشر على صور أعمالها، من الحسن والقبح، وهكذا إلى آخر نَفَس، فإذا انفصلت من عالم التكليف، وموطن المعارج والارتقاءات، حينئذ تجني ثمرة غرسك!

فإذا فهمت هذا فاعلم وفقنا اللّه وإيّاك، إذا أردت الدخول إلى حضرة الحق والأخذ منه بترك الوسائط والأنس به، أنه لا يصح لك ذلك وفي قلبك ربّانية لغيره! فإنّك لمن حكم عليك سلطانه، هذا لا شك فيه؛ فلابدَّ لك من العزلة عن الناس وإيثار الخلوة عن الملأ، فإنه على قدر بُعدك من الخلق يكون قربك من الحق ظاهرًا وباطنًا.

فأوّل ما يجب عليك طلب العلم الذي به تقيم طهارتك وصلاتك وصيامك وتقواك وما يفرض عليك طلبه خاصة، لا تزيد على ذلك، وهو أوّل باب السلوك، ثم العمل به، ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، وفي حال من أحوال التوكل يحصل لك أربع كرامات هي علامة وأدلة على حصولك في أوّل درجة التوكل، وهي: طيّ الأرض، والمشي على الماء، واختراق الهواء، والأكل من الكون، وهو الحقيقة في هذا الباب، ثم بعد ذلك تتوالى المقامات والأحوال والكرامات والتنزلات إلى الموت. فاللّه، اللّه! لا تدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك وقوّتك من سلطان الوهم!

فإن كان وهمك حاكما عليك فلا سبيل إلى الخلوة إلا على يدي شيخ مميِّز، عارف.

وإن كان وهمك تحت سلطانك، فخذ الخلوة ولا تبالي، وعليك بالرياضة قبل الخلوة، والرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق، وترك الرعونة، وتحمّل الأذى؛ فإنَّ الإنسان إذا تقدم فتحه قبل رياضته فلن يجيء منه رجلٌ أبدًا، إلا في حكم النادر، فإذا اعتزلت عن الخلق فاحذرهم عن قصدهم إليك وإقبالهم عليك، فإنه من اعتزل عن الناس لم يَفتح بابه لقصد الناس إليه، فإنّ المراد من العزلة ترك الناس ومعاشرتهم، وليس المراد من ترك الناس ترك صورهم، وإنما المراد أن لا يكون قلبك ولا أذنك معهم وعاءً لما يأتون به من فضول الكلام، فلا يصفو القلب من هذيان العالم، فكل من اعتزل في بيته وفتح باب قصد الناس إليه فإنه طالب رياسة وجاه، مطرود عن باب اللّه تعالى، والهلاك إلى مثل هذا أقرب من شِراك نعله، فاللّه اللّه! تحفّظ في تلبيس النفس في هذا المقام. فإن أكثر الخلق هلكوا فيه.

فأغلق بابك دون الناس، وكذلك باب بيتك بينك وبين أهلك، واشتغل بذكر اللّه بأيّ نوع شئته من الأذكار، وأعلاها الاسم، وهو قولك: اللّه اللّه اللّه، لا تزيد عليه شيئًا. وتحفَّظ من طوارق الخيالات الفاسدة أن تُشغلك عن الذكر، وتحفّظ في غذائك، واجتهد أن يكون دسما، ولكن من غير حيوان، فإنّه أحسن، واحذر من الشبع، ومن الجوع المفرط، والزم طريق اعتدال المزاج، فإن المزاج إذا أفرط فيه اليُبس أدّى إلى خيالات وهذيان طويل، فإذا كان الوارد هو الذي يعطي الانحراف فذلك هو المطلوب.

وتفرّق بين الواردات الروحانية الملكية، والواردات الروحانية الناريّة الشيطانية، مما تجده في نفسك عند انقضاء الوارد، وذلك أنّ الوارد إذا كان ملكيًّا فإنه يعقبه برد ولذة، لا تجد ألماً ولا تتغير لك صورة، ويترك علماً، وإذا كان شيطانا فإنه يعقبه تهريش؟؟؟ في الأعضاء وألم وكرب وحيرة، ويترك تخبيطاً. فتحفظ!

ولا تزال ذاكراً حتى يفرغ اللّه عن قلبك، وهو المطلوب، واحذر أن تقول "ماذا" فليكن عقدك عند دخولك إلى خلوتك أنّ اللّه "ليس كمثله شيء"، فكل ما يتجلى لك من الصور في خلوتك ويقول لك أنا اللّه فقل "سبحان اللّه أنت باللّه"، واحفظ صورة ما رأيت واِلْه عنها، واشتغل بالذكر دائما، هذا عقد واحد.

والعقد الثاني أن لا تطلب منه في خلوتك سواه، ولا تعلق الهمة بغيره، ولو عرض عليك كل ما في الكون، فخذه بأدب، ولا تقف عنده، وصمم على طلبك، فإنه يبتليك، ومهما وقفت مع شيء فإنّك إذا حصّلته لم تقبل شيء.

فإذ وقد عرفت هذا، فاعلم أنّ اللّه مبتليك بما يعرضه عليك؛ فأوّل ما يفتح عليك إن أعطاك الأمر على الترتيب ما أقوله لك: وهو كشفك عالم الحسّ الغائب عنه، فلا يحجبك الجدران ولا الظلمات عما يفعله الخلق في بيوتهم، إلا أنه يجب عليك التحفّظ أن تكشف سرّ أحد عند أحد إذا أطلعك اللّه عليه، فإن بُحت به وقلت: هذا زان، وهذا شارب، وهذا يغتاب، فاتَّهم نفسك! فإنَّ الشيطان قد دخل عليك، فتحقق بالاسم "الستّار"، وإن جاءك ذلك الشخص فالْقَه على ما بينك وبينه على الستر، وأوصه أن يستحيي من اللّه، ولا يتعدَّى حدود اللّه، والْهَ عن هذا الكشف جهد طاقتك، واشتغل بالذكر.

وأما التفرقة بين الكشف الحسي والخيالي، فنبيّنه: وذلك إذا رأيت صورة شخص، أو فعلا من أفعال الخلق، أن تغلق عينك؛ فإن بقي لك الكشف فهو في خيالك، وإن غاب عنك فإن الإدراك يعلق به في الموضع الذي رأيته فيه، ثم إذا لهيت عنه واشتغلت بالذكر انتقلت من الكشف الحسّي إلى الكشف الخيالي، فتتنزّل عليك المعاني العقلية في الصورة الحسية وهو تنزل صعب! فإن علم ما أريد بتلك الصورة لا يعرفها إلا نبي، أو من شاء اللّه من الصديقين، فلا تشتغل به، وإن سيقت لك مشروبات فاشرب الماء منها، وإن لم يكن فيها ماء فاشرب اللبن، وإن جمعت بينهما فحسن، وكذلك العسل، وتحفظ من شرب الخمر، إلا أن يكون ممزوجًا بماء المطر، فإن كان بماء الأنهار والعيون فلا سبيل إلى شربه، واشتغل بالذكر حتى يفرغ عنك عالم الخيال، ويتجلى لك عالم المعاني المجرّد عن المادة.

واشتغل بالذكر حتى يتجلى لك مذكورك، فإذا أفناك عن الذكر به، فتلك المشاهدة، أو النومة، وسبيل التفرقة بينهما أن المشاهدة تترك في المحل شاهدها، فتقع اللذة عقيبها، والنومة لا تترك شيئا، فيقع التيقظ عقيبها والاستغفار والندم.

ثم إنّ اللّه تعالى يعرض عليك مراتب المملكة، ابتلاءً؛ فإن رتّب لك العرض، فإنّك ستكشف أوّلا على أسرار الأحجار المعدنية وغيرها، وتعرف سرّ كل حجر وخاصيته، في المضارّ والمنافع، فإن تعشّقت به أبقيت معه وطردت، ثم سلب عنك حفظه، فخسرت! وإن استغنيت عنه واشتغلت بالذكر ولجأت إلى جناب المذكور رُفع عنك ذلك النمط، وكشف لك عن النباتات، ونادتك كل عشبة بما تحمله من خواص المضار والمنافع، فليكن حكمك عليها حكمك أوّلا، وليكن غذاؤك عند الكشف الأوّل: ما كثرت مرارته ورطوبته، وفي هذا الكشف الآخر النباتي: ما اعتدلت حرارته ورطوبته، فإذا لم تقف معه رُفع لك عن الحيوانات، فسلّمت عليك وعرّفتك بما تحمله من خواص المضار والمنافع، وكل عالَم يعرّفك بتسبيحه وتمجيده.

وهنا نكتة: وذلك أن تنظر ما أنت مشتغل به من الأذكار، فإن رأيت هؤلاء العوالم مشتغلين بذلك الذكر الذي أنت عليه؛ فكشفك خيالي لا حقيقي، وإنما ذلك حالك أقيم لك في الموجودات، وإذا شهدت في هؤلاء تنوعات أذكارهم، فهو الكشف الصحيح، وهذا المعراج هو معراج التحليل على الترتيب، والقبض لك مصاحب في هؤلاء العوالم.

ثم بعد هذا يكشف لك عن عالم سريان الحياة السببية في الأحياء، وما تعطي من الأثر في كل ذات، بحسب استعداد الذوات، وكيف تندرج العادات في هذا السريان.

فإن لم تقف مع هذا، رُفع عنك، ورفعت لك اللوائح اللوحية، وخوطبت بالمخاويف، وتنوّعت عليك الحالات، وأقيم لك دولاب تعاين فيه صور الاستحالات، وكيف يصير الكثيف لطيفًا واللطيف كثيفًا، وما أشبه ذلك.

فإن لم تقف مع هذا، رُفع لك نور متطاير الشرر، فستطلب الستر عنه، فلا تخف، ودم على الذكر، فإنك إذا دمت على الذكر لم تصبك آفة.

فإن لم تقف معه، رُفع لك نور الطوالع، وصورة التركيب الكلي، وعاينت آداب الدخول إلى الحضرة الإلهية، وآداب الوقوف بين يدي الحق، وآداب الخروج من عنده، إلى الخلق، والمشاهدة الدائمة بالوجوه المختلفة من الظاهر والباطن، والكمال الذي لا يشعر به كل أحد؛ فإنّ كل ما نقص من الوجه الظاهر أخذه الوجه الباطن، والذات واحدة، فما ثم نقص! وكيفية تلقي العلوم الإلهية من اللّه تعالى، وما ينبغي أن يكون عليه المتلقي من الاستعدادات، وأدب الأخذ والعطاء، والقبض والبسط، وكيف يحفظ القلب من الهلاك المحرق، وأنَّ الطرق كلها مستديرة، ما ثَمّ طريق خطّي، وغير ذلك مما تضيق هذه الرسالة عنه.

فإن لم تقف، مع هذا كلِّه، رُفع لك عن مراتب العلوم النظرية، والأفكار السليمة، وصور المغاليط التي تطرأ على الأفهام، والفرق بين الوهم والعلم، وتولد التكوينات بين عالم الأرواح والأجسام، وسبب ذلك التولد، وسريان السرّ الإلهي في عالم العناية، وسبب من ترك الكون عن مجاهدة، وعن لا مجاهدة، وغير ذلك مما يطول.

فإن لم تقف مع هذا، رُفع لك عالم التصوير والتحسين والجمال وما ينبغي أن تكون عليه العقول من الصور المقدَّسة، والنفوس النباتية من حسن الشكل والنظام، وسريان الفتور واللين والرحمة في الموصوفين بها، ومِن هذه الحضرة يكون الإمداد للشعراء، ومن الذي قبله يكون الإمداد للخطباء.

فإن لم تقف مع هذا، رُفع لك معه عن مراتب القطبية وكلّ ما شاهدته قبل فهو من عالم اليسار، وهذا الموضع هو القلب، فإذا تجلّى لك هذا العالَم علمت الانعكاسات، ودوام الدائمات، وخلود الخوالد، وترتيب الموجودات، وسريان الوجود فيها، وأعطيت الحِكم الإلهية، والقدرة على حفظها، والأمانة على تبليغها، إلى أهلها، وأعطيت الرموز والإجمال، فالوهب على الستر والكشف.

فإن لم تقف مع هذا، رُفع لك عن عالم الحميَّة والغضب، والتعصُّب، ومنشأ الخلاف الظاهر في العالم، واختلاف الصور وغير ذلك.

فإن لم تقف مع هذا، رُفع لك عن عالم الغيرة، وكشفَ الحقِّ على أتم وجوهه، والآراء السليمة، والمذاهب المستقيمة، والشرائع المنزَّلة، وترى عالَما قد زيَّنهم اللّه من المعارف القدسية بأحسن زينة.

وما من مقام يكشف لك عنه إلا وهو يقابلك بالتعزيز والتوقير والتعظيم، ويعرب لك عن مقامه ومرتبته من الحضرة الإلهية، ويعشِّقُك بذاته، فإن لم تقف معه، رُفع لك عن عالم الوقار والسكينة، والثبات والمكر، وغامضات الأسرار، وما شاكل هذا الفن.

فإن لم تقف مع هذا، رُفع لك عن عالم الحيرة، والقصور والعجز، وخزائن الأعمال، وهم عليُّون، فإن لم تقف معه، رُفع لك عن الجنان ومراتب درجاته، وتداخل بعضه في بعض، وتفاضل نعيمه، وأنت واقف على طريق ضيِّقة، ثم أشرف بك على جهنم ومراتب دركاتها وتداخل بعضها في بعضها، وتفاضل أعمالها، ورفع لك عن الأعمال الموصلة إلى كلّ واحدة من الدارين.

فإن لم تقف مع هذا، رُفع لك عن أرواح مستهلَكة في مشهد من مشاهده هم فيه حيارى سكارى قد غلبهم سلطان الوجد، فدعاك حالهم.

فإن لم تقف لدعوته، رُفع لك نور لا ترى فيه غيرك، فيأخذك فيه وجدٌ عظيم، وهيمانٌ شديد، وتجد فيه من اللذة باللّه ما لم تكن تعرفها قبل ذلك، ويصغر في عينك كلّ ما رأيته، وأنت تتمايل فيه تمايل السراج.

فإن لم تقف معه، رُفع لك عن صور على صور بني آدم، وستور ترفع وستور تسدل، ولهم تسبيح مخصوص تعرفه إذا سدلته ولا تدهش، فسترى صورتك بينهم ومنها تعرف وقتك الذي أنت فيه.

فإن لم تقف رُفع لك سرير الرحمانية، وكلُّ شيء عليه، فإذا نظرت في كلِّ شيء فسترى جميع ما اطلعت عليه فيه، وزائدًا على ذلك، ولا يبقى علم ولا عين، إلا وتشاهده فيه؛ فاطلب علَّتك في كلِّ شيء، فإذا وقفت علتك فيه، عرفت أين غايتك ومنزلتك، ومنتهى رتبتك، وأي اسم هو ربّك، وأين حظك من المعرفة والولاية، وصورة خصوصيتك.

فإن لم تقف معه، رُفع لك عن أستار كلّ شيء، ومعلمه، فعاينت أثره، وعرفت خبره، وشاهدت انتكاسه، وتلقيه، وتفصيل مجمله من الملك النوني.

فإن لم تقف معه، رُفع لك عن المحرّك، فإن لم تقف؛ مُحيت، ثم غُيّبت ثم أُفنيت، ثم سُحقت ثم مُحقت، حتى إذا انتهت فيك آثار الماحي وإخوانه، أُثبتَّ ثم أُحضرت ثم أُبقيت، ثم جُمعت ثم غُيّبت، فخُلِعت عليك الخِلع التي تقبضها، فإنها تتنوع، ثم تُردُّ على مدرجتك، فتعاين كل ما عاينته مختلف الصور، حتى تُردَّ إلى عالم حِسِّك المقيَّد الأرضي، أو تُمسك حيث غُيِّبت.

وغاية كل سالك مناسبة لطريقه الذي عليه سلك؛ فمنهم من يناجى بلغته، ومنهم من يناجى بغير لغته، وكل من نوجي بلغة، أيَّة لغة كانت، فإنه وارث لنبيّ ذلك اللسان، وهو الذي تسمعه على ألسنة أهل هذه الطريقة، أن فلانًا موسويٌ وعيسويٌ وابراهيميٌ وإدريسيٌ، ومنهم المناجى بلغتين وثلاثة وأربعة فصاعدًا.

والكامل من يناجى بجميع اللغات، وهو المحمدي خاصة، فما دام في غايته، فهو الواقف، ما لم يرجع، فإن منهم المستهلَك في ذلك المقام، كأبي عقال، وغيره، وفيه يُقبض ويُحشر.

ومنهم المردود، وهو أكمل المواقف من المستهلك، بشرط أن يتماثلا في المقام، فإن كان المستهلك في مقام أعلى من مقام المردود، فلا نقول أن المردود أعلى، ولكن شرطنا التماثل، إذ يعيش المردود النازل عن مقام المستهلك حتى يبلغ مرتبة المستهلك ويزيد عليه في التداني، ويزيد عليه في التدلي، ويفضل عليه في الترقي، فيفضل عليه في التلقي.

وأما المردودون فهم رجلان: منهم من يُردُّ في حق نفسه، وهو النازل الذي ذكرناه، وهذا هو العارف عندنا، فهو راجع لتكميل نفسه من غير الطريق الذي سلك عليه. ومنهم من يُردُّ إلى الخلق بلسان الإرشاد والهداية، وهو العالم الوارث، وليس كلّ داعٍ وارث على مقام واحد، لكن يجمعهم مقام الدعوة، ويفضل بعضهم عن بعض؛ فمنهم الداعي بلغة موسى، وعيسى، وسام، وإسحاق، وإسمعيل، وآدم، وإدريس، وإبراهيم، ويوسف، وهارون، وغيرهم، وهؤلاء هم الصوفية، وهم أصحاب أحوال، بالإضافة إلى السادة منّا.

ومنهم الداعي بلغة محمَّد صلّى اللّه عليه وسلم، وهم الملامتية، أهل التمكين والحقائق، وإذا دعوا الخلق إلى اللّه تعالى؛ فمنهم من يدعو من باب الفناء في حقيقة العبودية، وهو قوله (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئاً)، ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة العبودية، وهو الذلة والافتقار، وما يقتضيه مقام العبودية. ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق الرحمانية، ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق القهرية. ومنهم من يدعوهم من باب الأخلاق الإلهية، وهو أرفع باب وأجلّه.

واعلم أن النبوة والولاية تشتركان في ثلاثة أشياء: الواحد في العلم من غير تعلم كسبي، والثاني في الفعل بالهمة فيما جرت العادة أن لا يفعل إلا بالجسم، أو لا قدرة للجسم عليه، والثالث في رؤية عالم الخيال في الحس، ويفترقان بمجرد الخطاب، فإن مخاطبة الولي غير مخاطبة النبي، ولا يُتوهم أن معارج الأولياء على معارج الأنبياء! ليس الأمر كذلك، لأن المعارج تقتضي أمورًا لو اشتركا فيها بحكم العروج عليها لكان للولي ما للنبي، وليس الأمر على هذا عندنا، وإن اجتمعا في الأصول، وهي المقامات، لكن معارج الأنبياء بالنور الأصلي، ومعارج الأولياء بما يفيض من النور الأصلي، وإن جمعهما مقام التوكل، فليست الوجوه متحدة، والفضل ليس في المقام، وإنما هو في الوجوه، والوجوه راجعة للمتوكل، وهكذا في كل حال ومقام، من فناء وبقاء، وجمع وفرق، واصطلام وانزعاج، وغير ذلك.

واعلم أنَّ كلَّ وليٍّ للّه تعالى، فإنّه يأخذ ما يأخذ بوساطة روحانية نبيِّه الذي هو على شريعته، ومن ذلك المقام يشهد. ومنهم من يعرف ذلك ومنهم من لا يعرفه، ويقول: قال لي اللّه، وليس غير تلك الروحانية. وهنا أسرار لطيفة تضيق هذه الأوراق عنها لما أردناه من التقريب والاختصار، غير أن الأولياء من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم، الجامع لمقامات الأنبياء عليهم السلام، قد يرث الواحدُ منهم موسى عليه السلام، ولكن من النور المحمدي لا من النور الموسوي، فيكون حاله من محمد عليه السلام حال موسى عليه السلام منه صلى اللّه عليه وسلم، وإنّما يظهر من ولي عند موته ملاحظة موسى أو عيسى، فيتخيل العامي ومن لا معرفة له أنه قد تهوّد أو تنصّر، لكونه يذكر هؤلاء الأنبياء عند موته، وإنما ذلك من قوة المعرفة بمقامه والاتصاف، إلا القطب فإنه على قلب محمد عليه السلام.

وقد لقينا رجالا على قلب عيسى، وهو أوّل شيخ لقيته، ورجالا على قلب موسى، وآخرين على قلب إبراهيم، وغيرهم عليهم السلام، ولا يعرف ما نذكره إلا أصحابنا.

واعلم أن محمّدًا عليه الصلاة والسلام هو الذي أعطى جميع الأنبياء والرسل مقاماتهم في جميع الأرواح حتى بعث بجسمه صلى اللّه عليه وسلم، وتبعناه والتحق بنا من الأنبياء في الحكم من شاهده أو نزل بعده، فأولياء الأنبياء الذين سلفوا يأخذون عن أنبيائهم، وأنبياؤهم يأخذون عن محمّد صلى اللّه عليه وسلم، فشاركت الولاية المحمدية الأنبياء في الأخذ عنه، ولهذا ورد الخبر: "علماء هذه الأمة أنبياء بني إسرائيل"، وقال تعالى فينا: (لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ على اَلنّٰاسِ) وقال في حق الرسل: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ). فنحن الأولياء شهداء على أتباعهم، ونصرف الهمة في الخلوة للوراثة الكليّة المحمّدية.

واعلم أن الحكيم الكامل المحقق المتمكن هو الذي يعامل كل حال ووقت بما يليق به، ولا يخلط، وهذه هي حالة محمّد صلى اللّه عليه وسلم، فإنه كان من ربه بقاب قوسين أو أدنى، ولما أصبح وذكر ذلك للحاضرين، ولم يصدقه المشركون لكون الأثر ما ظهر عليه، ووافقوه في ذلك، بخلاف غيره، حين ظهر عليه الأثر فكان يتبرقع.

ولابد لكل سالك من تأثير الأحوال فيه، وخلطه العوالم بعضها ببعض، ولكن ينبغي له الترقي من هذا المقام إلى مقام الحكمة الإلهية الجارية على القانون المعتاد في الظاهر، ويصرف خرق العوائد إلى سرّه، حتى يرجع له خرق العوائد له عادة، لاستصحابه، ولا يزال يقول في كلّ نفَس: "وقل رب زدني علما"، ما دام الفلك يجري بنَفَسه، وليجتهد أن يكون وقته نَفَسُه وإذا ورد عليه وارد الوقت يقبله، وليحذر من التعشق به، ويحفظه فإنه يحتاج إليه إذا ربا.

وأكثر الشيوخ إنما أتي عليهم في التربية، لمّا فرّطوا في حفظ ما ذكرناه، وزهدوا فيه، زهدًا كلّيًّا، ويطول الوقت ويقصر، بحسب حضور صاحبه، فمنهم من وقته ساعة، ويوم، وجمعة، وشهر، وسنة، ومرة واحدة في عمره!

ومن الناس من لا وقت له، وعلو الشخص يدل على ضيق وقته، والذي لا وقت له إنما حرم بحكم بهيميته عليه، فإنّ باب الملكوت والمعارف من المحال أن ينفتح وفي القلب شهوة! هذا للملكوت، وأما باب العلم باللّه من حيث المشاهد، فلا يفتح وفي القلب لمحة للعالم بأسره، الملك والملكوت!

واعلم أن هذه الأمور الوضعية، إذا سلك عليها الإنسان، أقام بها، ولم تكن له همة متعلقة بأمر وراءها، إلا الجنة خاصة، فذلك هو العالِم صاحب الماء والمحراب، كما أن الهمة لو تعلقت بما وراء العبادات، من غير الاستعداد بها، لم ينكشف له شيء، ولا نفعت همته، بل صاحبها أشبه بمريض سقطت قواه بالكلّيّة، وعنده الإرادة، والهمّة المحركة، والآلة معطَّلة، فهل يصل بهمّته إلى مطلوبه!

فلابد من الاستعداد على الكمال، بالهمّة وغيرها، فإذا وصل إلى عين الحقيقة امتُحنت همّته، وليس بحصول البُغية، فيقول الحاصل لا يبتغي، وإنما ذلك الدهش الذي يقع به عند رفع الحجاب، فإن العلم الذي يحصل له عند المشاهدة يلقي عنده التوجه إلى ما هو فوق ما ظهر في حقه، لا فيما ظهر، فإن الظاهر وإن كان واحد العين فإن الوجوه فيه غير متناهية، وهي آثاره فينا؛ فلا يزال العالِم متعطشا دائماً أبداً، والواهب متعلق به دائماً أبداً، فلمثل هذا العمل فليعمل العاملون، وفي مثل هذا فليتنافس المتنافسون، والحمد للّه رب العالمين وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.


بعض كتب الشيخ الأكبر

[كتاب الجلالة وهو اسم الله] [التجليات الإلهية وشرحها: كشف الغايات] [ترجمان الأشواق وشرحه: الذخائر والأعلاق] [مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم] [التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية] [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب] [كتاب كلام العبادلة] [كتاب إنشاء الدوائر والجداول] [كتاب كنه ما لابد للمريد منه] [الإسرا إلى المقام الأسرى] [كتاب عقلة المستوفز] [كتاب اصطلاح الصوفية] [تاج التراجم في إشارات العلم ولطائف الفهم] [كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل] [الوصية إلى العلوم الذوقية والمعارف الكشفية ] [إشارات في تفسير القرآن الكريم] [الفتوحات المكية] [فصوص الحكم] [رسالة روح القدس في مناصحة النفس] [كتاب الأزل - ثمانية وثلاثين] [أسرار أبواب الفتوحات] [رسالة فهرست المصنفات] [الإجازة إلى الملك المظفر] [محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار] [رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار] [حلية الأبدال وما يظهر عنها من المعارف والأحوال] [كتاب الألف وهو كتاب الأحدية] [كتاب العظمة] [كتاب الباء] [كتاب الياء وهو كتاب الهو] [كتاب الحروف الدورية: الميم والواو والنون] [رسالة إلى الشيخ فخر الدين الرازي] [الإسفار عن نتائج الأسفار] [كتاب الشاهد] [الحكم الحاتمية] [الفناء في المشاهدة] [القسم الإلهي] [أيام الشأن] [كتاب القربة] [منزل القطب ومقاله وحاله] [منزل المنازل الفهوانية] [المدخل إلى المقصد الأسمى في الإشارات] [الجلال والجمال] [ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا] [رسالة المضادة بين الظاهر والباطن] [رسالة الانتصار] [سؤال اسمعيل بن سودكين] [كتاب المسائل] [كتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام]

شروحات ومختصرات لكتاب الفتوحات المكية:

[اليواقيت والجواهر، للشعراني] [الكبريت الأحمر، للشعراني] [أنفس الواردات، لعبد اللّه البسنوي] [شرح مشكلات الفتوحات، لعبد الكريم الجيلي] [المواقف للأمير عبد القادر الجزائري] [المعجم الصوفي - الحكمة في حدود الكلمة]

شروح وتعليقات على كتاب فصوص الحكم:

[متن فصوص الحكم] [نقش فصوص الحكم] [كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح فصوص الحكم] [كتاب شرح فصوص الحكم] [كتاب جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص] [شرح الكتاب فصوص الحكم] [كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم] [كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح ا فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي] [كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص] [تعليقات على فصوص الحكم] [شرح كلمات فصوص الحكم] [المفاتيح الوجودية والقرآنیة لفصوص حكم]

بعض الكتب الأخرى:

[كتاب الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى الترمذي] [الرسالة القشيرية] [قواعد التصوف] [كتاب شمس المغرب]

بعض الكتب الأخرى التي لم يتم تنسيقها:

[الكتب] [النصوص] [الإسفار عن رسالة الأنوار] [السبجة السوداء] [تنبيه الغبي] [تنبيهات] [الإنسان الكامل] [تهذيب الأخلاق] [نفائس العرفان] [الخلوة المطلقة] [التوجه الأتم] [الموعظة الحسنة] [شجرة الكون]



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!