موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية

*** يرجى الملاحظة أن بعض هذه الكتب غير محققة والنصوص غير مدققة ***

رسالة القسم الإلهي

للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

بِسْمِ الله اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ

قال الشيخ الامام العالم الصدر الكامل المحقق المتبحر محى الدين شرف الاسلام لسان الحقائق علامة العالم، قدوة الاكابر محل الاوامر، اعجوبة الدهر، وفريدة العصر ابو عبد الله محمد بن على بن محمد بن العربى الطائى الحاتمى ثم الاندلسى ختم الله له بالحسنى، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم كثيرا.

اما بعد فان الله جل اسمه اقسم فى كتابه العزيز على امور فى مواضع شتى بانواع من المخلوقات من الحروف والرياح والملئكة والجبال والشجر والكواكب والساعات والليل والنهار واليوم والشمس والقمر والسماء والارض والنفس والشفع والوتر والبلد والقرآن والقلم والبقاء والسفن والبهائم والكتاب والسقف والبحر والبيت ومواقع النجوم وما تدركه الابصار وما لا تدركه الابصار وفى هذه الآية اقسم بجميع الموجودات قديمها وحديثها وما اقسم بنفسه من كونه الرب الا فى خمسة مواضع فى سورة النساء قوله تعالى (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) وفى سورة الحجر قوله تعالى (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ) الى آخر السورة وفى سورة مريم عليها السلام قوله تعالى (فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ واَلشَّياطِينَ) وفى سورة الذاريات (فَوَ رَبِّ اَلسَّماءِ واَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) يعنى المذكور وهو الرزق والجنة وفى سورة المعارج قوله تعالى (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ اَلْمَشارِقِ واَلْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ) وفى احوال هذا المقسوم عليه بالاسم الربانى سرائر ولطائف وحقائق.

والغرض ان اذكر منها فى هذه العجالة قدر ما يعطيه وارد الوقت فان مواردها كثيرة متشعبة وسميت هذه العجالة (القسم الالهى بالاسم الربانى) وجعلتها خمسة ابواب لكل باب قسم يخصه ان شاء الله تعالى.

فصل

اعلم وفقنا الله واياك ان اسماء الله الحسنى ليست بالفاظ مجردة عن المعانى لتعريف المسمى خاصة كزيد وعمرو وجعفر وخالد الموضوعة لتمييز الاشخاص، ولكنها جلت وعظمت دلائل فى معانى فى الالوهية تقتضيها تطلق من اجل تلك المعانى فى علم الالفاظ لفظ ما يتوصل السامع المتعلم بذلك اللفظ والحروف ان كان مرقوما الى المعنى الذى ربط به وليس عندنا من اسمائه سبحانه الا ما عرفنا به على لسان رسوله خاصة وفى كتبه، وعنده اسماء ما عرفنا بها، الا ترى

ان رسول الله عليه السلام كيف قال فى دعائه اللهم انى اسألك بكل اسم سميت به نفسك او علمته احدا من خلقك او استأثرت به فى علم غيبك .

وما حصل عندنا من معانى الاسماء الا مادل عليه العقل والشرع والكشف لا غير ومع كثرة اسمائه التى عندنا فما اقسم منها الا باسم الرب خاصة دون غيره من الاسماء وما اقسم به مطلقا الا قيده بالاضافة الى محمد عليه السلام والسماء والارض والمشارق والمغارب.

فصل

اعلم ان اسماء الله الحسنى وان كثرت ما عرف منها وما لم يعرف على ثلاث مراتب، منها ما يدل على الذات مثل الاول والآخر وما اشبه ذلك، ومنها ما يدل على الصفة كالعليم والخبير والشكور والقادر وما اشبه ذلك، ومنها ما يدل على الفعل كالخالق والرازق وما اشبه ذلك، وثم اسماء بل اكثرها لها مرتبتان وثلاثة بحكم الاشتراك كالرب بمعنى الثابت للذات وبمعنى المصلح للفعل وبمعنى المالك للصفة

وقد افردنا لمعرفة مراتب الاسماء بابا فى كتاب الجداول والدوائر وذكرنا كيفية التخلق بها والتوصل الى معانيها فلينظر هناك ومع كثرة الاسماء الحسنى فما اقسم سبحانه فى القرآن باسم منها سوى اسم الرب فى هذه الخمسة المواضع التى نبهنا عليها، وذلك لاسرار عظيمة يحوى عليها مقام هذا الاسم ننبه على سر واحد منها او سرين فى هذه العجالة لانها كتاب ساعة، ولهذا الاسم الرب فى عينه امر الله سبحانه وتعالى ان يقسم به نبيه صلى الله عليه وسلم حين استنبأه قومه احق هو فقال له سبحانه قل يا محمد (إِي ورَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ) وليس غرضنا فى هذه العجالة قسم المخلوقين وانما الغرض قسم الله ولاكل اقسامه الا ما اقسم عليه بنفسه وهو الذى ذكرناه، وغرضنا ان شاء الله ان نفرد كتابا لطيفا فيما اقسم الله به فى كتابه العزيز مما ذكرناه لا مما حذفه مثل قوله (لَقَدْ رَضِيَ الله) ، (ولَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ اَلرُّؤْيا ) والله يهب العلم كما وهب العقل.

فصل

واعلم ان هذا الاسم الرب له فى اللسان على ما وصل الينا خمسة اوجه يقال بمعنى الثابت يقال رب بالمكان اذا ثبت فيه واقام ويقال بمعنى المصلح يقال ربيت الثوب اذا اصلحت ما فيه من خرق وغيره ويقال بمعنى المربى من ربيت الصغير اربيته ويقال بمعنى السيد قال امرؤ القيس.

فما قاتلوا عن ربهم وربيبهم ولا آذنوا جارا فيظعن سالما أى سيدهم واميرهم ويقال بمعنى المالك يقال رب الدار ورب الدابة وقال عليه السلام ان تلد الامة ربها أى مالكها فى اشراط الساعة لما يكون من الهرج والمرج فيفرق بين المرأة وابنها كثرة الفتن وهو صغير فينشأ ويتملك امه بما وقع من الفتن فيقع لهذا الابن ويشتريها فيصير مالكها وسيدها بحكم الشراء نعوذ بالله من الفتن.

وهذه المعانى كلها يوصف بها الله تعالى فانه الثابت فى وجوده وملكه وسلطانه وعزه وكبريائه وعظمته وهو مصلح العالم العلوى والسفلى والكون والمخلوقات والمبدعات وهو سبحانه ايضا مربيهم ومغذيهم على حسب ما تعطيه حقائق المغذى والمربى والجوهر يتغذى بعرضه والجسم بادواته وحفظها عليه وحفظ قواها والارواح يربيها بالعلوم واللطائف والاسرار وهكذا جميع العالم من اوله الى آخره.

وهو سبحانه ايضا سيد العالم وجميع الموجودات باسرها فانه غنى عنها وهى مفتقرة اليه فله العزة ولنا الذل وله الغنى ولنا الفقر وله ايضا سبحانه الملك ونحن المملوكون فانه خالقنا وموجدنا ولهذا يفعل بنا ما يشاء مما يوافق اغراضنا ومما لا يوافقها ولا يتصف فى حكمه علينا بما لا يوافقه غرضنا ولا تعطيه عاداتنا بالجور والحيف والظلم والاعتداء فان هذه الاوصاف انما تتوجه على من يتصرف فى غير ملكه.

واما من تصرف فى ملكه ويفعل ما يشاء كيف يشاء وسواء عقلنا سبب ذلك الفعل وعلته او لم نعقل ولهذا قال جل ثناؤه (لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ) لانه ما تصرف فى غير ملكه ولا ملكه والجور والحيف والظلم على من تعطيه البرهان امور شرعية ليست الا للشرع لا لنفسها.

فصل

ثم لتعلم ان الاسم الجامع لحقائق الاسماء والموجودات ورئيسها وسلطانها والمهيمن عليها انما هو الاسم الله وهو دليل الذات والصفات والاسماء ويليه فى المرتبة الاسم الرب فلما كانت مرتبة الربوبية على مرتبة الالوهية اقسم بالاسم الرب الذى لهذه المرتبة ولم يعد الى غيره من الاسماء وكان القسم بهذا الاسم للالوهية على نفسها امر لا يتصور غيره اذا عامل سبحانه الحقائق بما تقتضى مراتبها وحقائقها فاذا تجوز فى هذا المقام الذى ينبغى للربوبية فللمقسم ان يقسم بما شاء فان الله اعنى هذا الاسم كالنقطة من الدائرة وكالمحيط منها وان الاسماء تليه على وجوهها كالخطوط من النقطة الى المحيط وكل اسم يقول انا ثانى مرتبة من الاسم الله لهذا المعنى ولهذا انطقنا فى عالم الكون اذا جاع الجائع يقول يا رازق وقد يترك هذا الاسم ويقول يا الله فلهذا يقول الاسم الرازق وانا فى المرتبة الثانية وان قال يا رب فليس معناه يا رازق وانما معناه يا مربى او يا مغذى او يا مصلح فتفطن لما ذكرناه فى مراتب هذه الاسماء ولا احب الاستقصاء فى ذلك لكونى اريد الايجاز فانه انفع واقرب وايسر للوقوف عليه فان الاطالة تورث السآمة والملل ولا سيما والهمم ناقصة ذاهبة فى طلب الفوائد والاسرار غير منبعثة لها ولا متعطش اليها.

ثم انه سبحانه ما اقسم بهذا الاسم مطلقا وانما اقسم به مضافا الى مخلوق فان القصد فى القسم بالشىء تنويه المقسوم به وتشريفه بشرف من يضاف اليه ذلك القسم، وان كان هذا الاسم يعم مراتب الاسماء التى هى الذات والصفة والفعل فالاسم فى هذا القسم الالهى فى هذه الخمسة مواضع انما يرجع الى مرتبة الصفة او الفعل واما الى مرتبة الذات فلا اجلالا للذات ولكونها لا يطاق حمل تجليها فى حضرة القسم لانها حضرة الخصومات والحركات ويستدعى الاغيار والحضور معهم فلا يتمكن ان يبدل هذا الاسم فى القسم على الذات هكذا يعطى الحقائق فاشفق سبحانه على القلوب الطالبة نفحات جود الربوبية الذى قال عليه السلام آمرا لنا تعرضو النفحات ربكم، فلو اقسم به مطلقا غير مقيد باضافة الى مخلوق ونظر اليه العارفون لتلاشوا وما بقى لهم رسم ولا يعقلوا الفائدة التى جاء لها القسم وانما اشهدهم الحق لمعرفة ما اودع فى هذا القسم من الاسرار فكأنه يقول فى قوله سبحانه (فَوَ رَبِّكَ) اى فو مصلحك ومربيك وسيدك ومالكك.

وكذلك فو رب السماء والارض ورب المشارق والمغارب واما الرب الثابت فمختص بالذات لا تصح فيه الاضافة البتة فافهم ما اشرنا به اليك فى تعظيم هذا الاسم ومرتبته والله يهب الفهم والعقل بمنه.

الباب الاول

فى قسم الله جل ثناؤه بالربوبية على صورة تحصيل الإيمان اقسم سبحانه على نفسه باسمه الرب المضاف الى نبيه محمد عليه السلام فى سورة النساء من القرآن العزيز على اقصى غاية مراتب الايمان فقال عز من قائل (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) لما لم يتوف الكلام على هذه الاقسام على اسباب نزول هذه الآيات المقسوم عليه لهذا لم نذكر سبب نزولها ولا فيمن نزلت وانما نرتب الكلام على مرتبة الوصف المقسوم عليه خاصة اذا لاسباب والقضايا والقصص موجودة فى التفاسير والمصنفات.

وهذا الفن الذى نحن بصدده عزيز وجوده ولا سيما فى هذا الزمان فاقول اعلم ان الايمان لما كان من اعمال القلوب لان معناه التصديق اشترط رفع الحرج من النفس عند وقوع الحكم عليها مما لا يوافق غرضها ولا ينبغى للمامور المحكوم عليه ان يطلب علة معنى الحكم عليه وعلة الامر لانه ان لم يمتثل الامر حتى يعرف علة الامر كالوا قفية فهو مع الذى وقف من اجله لامع الذى امره وحكم عليه واذا وقف مع علة الامر فقد وقف مع نفسه فاين هو ذلك الموطن من مرتبة الايمان وكمال الصديقية واين منه تعظيمه لامر الله وحكمه فيه بسرعة الامتثال مع طيب النفس وشرح الصدر وقبول الحكم والالتذاذ والهيبة، الا تنظر الى الصديقين كيف حكم عليه السلام بالايمان فى المجلس الذى وقع فيه حديث البقرة التى تكلمت فى بنى اسرائيل فقال الحاضرون البقرة تكلم فقال النبى عليه السلام آمنت بهذا انا وابو بكر وعمر فقطع عليهما بالايمان لتحققهما بمقامه وحلولهما فى ذروة سنامه.

ومن شرط قوة الايمان وتحصيله ان لا ننتظر حكم من آمنا به بل نحكمه علينا ابتداء منا تثبيتا لا يماننا ونرضى بقضائه فينا ولا نبالى بما حكم علينا بما يهون علينا حمله او ما لا يهون فاذا قضى بما قضى به علينا مما تعظم مشقته ويصعب حمله طابت به نفوسنا وعظمت اللذة بذلك فى قلوبنا وزال عن النفس ما كان شجر بينها وبين خصمها وانقادت بحكم الله علينا سهلة ذلولة ومتى لم نجد ذلك فى نفوسنا فليس عندنا رائحة من حقيقة الايمان فى جميع حكمه كله علينا كما اتفق لبعض المحققين وكان قد تحقق باحترام الشرع والانقياد اليه فى كل حال متلذذا بذلك مستبشرا به خفيفا عليه ستين سنة فلما كان يوما قالت له والدته اسقنى شربة ماء فبادر الى ذلك ووجد فى نفسه ثقلا لذلك الامر فقال يا ويلاه يا اسفاه مضى العمر باطلا انا ادعى ان حكم الله على خفيف للذتى به وبرى بامى من حكم الله، فلم ثقل على هذا الامر هذا اول دليل على ان كل ما التذذت به من حكم الشريعة كان للنفس فيه غرض ولو كنت مع الحاكم لامع الحكم لم يثقل على ان اسوق الماء الى الوالدة.

ثم ينبغى للمؤمن اذا التذ بحكم الشرع عليه ان لا يغلب سلطان الشهوة عليه حتى يتأخر عن انفاذ الحكم فتكون تلك اللذة عند اهل الحقائق لذة مشومة لكونها اورثت التثبط زمانا ولو كانت حركة واحدة بل ينقاد بظاهره على الفور انقيادا كليا على الانقياد ما وقع به الحكم من الشرع ولهذا قال تسليما فأكده بالمصدر للتفرغ فى الانقياد اليه وعلى قدر ما يتوقف او يجده فى نفسه حرجا او امرا ينافى وجه اللذة والحب والعشق فى ذلك الحكم ينتفى منك التصديق ضرورة ولو كنت ذا فطنة وحضور ما جعلت علم الشريعة والاخبار الواردة من الشارع من باب التقليد مع كون هذا الضعف من العلم من دائرة التقليد لانه من باب السمع ولكن العاقل يحصر فى نفسه مع الدليل والبرهان الذى قام له على صدق هذا الحاكم عليه ويجعله منسحبا على ما حكم عليه به فكان حكمه عليه عنده مقبولا فذلك الدليل العقلى والادلة العقلية اذا حصلت مدلولاتها فى النفس حتى التذت بحصول العلم وانشرحت وطابت لانها مجبولة على اللذة بعثورها على العلم بالاشياء من كونها عالمة بذلك لامن كون ذلك المعلوم يصيرها عالمة مثلا، والحكم الذى توجه عليها من جملة الاشياء فيلزمها الفرح به ان كان مؤمنا لانسحاب ذلك البرهان الذى دلت به على صدق الحاكم عليه، هذا اذا كان الآمر هو الرسول عليه السلام او ما صح عنه من النقل وله مندوحة فى غير الرسول من العلماء لاختلافهم وقد قال تعالى (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فتأمل هذه الآية فان لها وجهين كبيرين قريبين خلاف ما لها من الوجوه اى خففت عنكم فى الحكم وما انزلت عليكم ما يحرجكم.

وينظر الى هذا قوله تعالى (لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاّ وُسْعَها) وقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاّ ما آتاها) و

قوله عليه السلام بعثت بالحنيفية السمحاء ، و

قوله عليه السلام ان الدين يسر ، والوجه الآخر رفع الحديث من النفس عند توجه الحكم بما لا يوافق الغرض وتمجه النفس فكأنه خاطب المؤمنين ومن وجد الحرج ليس بمؤمن وهذا صعب جدا فاذا قال تعالى (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فللانسان اذا توجه عليه حكم بفتيا عالم من العلماء وتصعب عليه ذلك ان يبحث عند العلماء المجتهدين هل له فى تلك النازلة حكم من الشرع اهون من ذلك فان وجده عمل به وارتفع الحرج وان وجد الاجماع فى تلك النازلة على ذلك الحكم الذى صعب عليه قبله ان كان مؤمنا طيب النفس وعادت حزونته سهولة ودفعه له قبولا لما حكم عليه به الله فيصح بذلك عنده ايمانه وهى علامة له على ثبوت الايمان عنده.

ولما كان هذا المقام الشامخ عسيرا على النفوس نيله اقسم بنفسه جل وتعالى عليه، ولما لم يكن المحكوم عليهم يسمعون ذلك من الله وانما حكم عليهم بذلك رسول الله الثابت صدقه النائب عن الله وخليفته فى الارض لذلك اضاف الاسم اليه عناية به وشرفا له صلى الله عليه وسلم فقال (فَلا ورَبِّكَ) وجعله بحرف الخطاب اشارة الى انه حاضر معنا يقول الله ولم يجعلها اضافة عينية فافهم.

الباب الثانى

فى قسم الله جل ثناؤه بالربوبية على انفاذ سوال التقرير على المشركين يوم القيامة اقسم سبحانه على نفسه باسم الرب المضاف الى نبيه محمد عليه السلام فى سورة الحجر فى القرآن العزيز فقال عز من قائل (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ) (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ إِنّا كَفَيْناكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ اَلسّاجِدِينَ واُعْبُدْ رَبَّكَ)  (حَتّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ) اقسم سبحانه باسمه لنبيه واضافه اليه اضافة الحضور والمشاهدة تفريجا لغمه وطردا لهمه وثلجا لفؤاده وشرحا لما ناله من الضيق والحرج مما سمع فى سيده ومرسله وحبيبه من رد امره وخطابه وتكذيبه وهذا هو المقام العالى الذى لا اعلى منه ولا اسنى ويقع فيه التفاضل بين الرسل وبين الانبياء وبين الاولياء وهذه حضرة الغيرة الالهية ويسمى هذا الحال العمل الالهى وما سواه فهو العمل النفسانى فليس فى الاعمال عمل فوق هذا ولا فى الاعمال عمل يجاريه ولا يضاهيه،

روينا فى الخبر المسند الى رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال يقول الله تعالى يوم القيامة يا عبدى هل عملت لى عملا قط فيقول يا رب صليت، وصمت وتصدقت ويذكر اعماله فيقول يا عبدى كل ذلك لك، هل عملت لى عملا قط فيقول يا رب وما هو هذا العمل الذى هو لك فيقول الله تعالى يا عبدى هل واليت فى وليا، او عاديت فى عدوا، هذا العمل هو لى .

وفى الاحاديث الصحيحة فى الحب فى الله والبغض فى الله من التنويه باهل هذا الوصف ما اغنى عن ايراده لتداوله بين الناس ولاجل هذا المقام فتن قوم موسى من بعده فناله وكانت كرامة الله له فى حضرته التى ناجاه فيها اذ لكل قادم كرامة وذلك لانه من باب القيام بحق الغير فيقع الفضل فيه على قدر مقام من يقام فى حقه.

ولما خرج موسى عليه السلام فى حق اهله نوجى فلهذا ضاقت صدور الانبياء على اممهم وما كانت ترجع الى نفس النبى صلى الله عليه وسلم عفا عنه كما ندب اليه ودعا فيه بالهداية والرحمة تخلقا الهيا، الا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جرح قال صلى الله عليه وسلم

اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون .

وليعلم ان الواحد الذى غلب عليه حال التوحيد لا يتألم فى هذا المقام ولا يغار لانه فى حضرة الجمع لا يشاهد تفريقا البتة وهذا المقام لا يتصور فيه ألم ولا انكار ولو عاقب واقام الحدود فى الظاهر واغلظ فالباطن رحمة مجردة وتسليم خالص لا يشوبه شىء ولكن ناقص المشاهدة عند صاحب المقام العالى فان الفائدة انما هى فى الجمع والوجود وصاحب هذا الحال فى الجمع لا فى الوجود المطلوب بخلاف الكامل فان له الوجود والجلال والهيبة لأن موطن الحكم عند المتحقق الكامل لا ينبغى ان يلحظ فيه الارادة العاصية وانما ينبغى ان يلحظ فيه الارادة الآمرة ومرتبة الآمر من كونه آمرا لا من كونه مريدا، ويتعلق بهذا الباب مسئلة كبيرة عظيمة الفائدة وهى كون الله لم يغفر للمشركين ولا لاهل التباعات بل ضمن التباعات وجعل مغفرتهم موقوفة على رضا المظلومين فيصلح بينهم يوم القيامة.

ثم امرنا ان نغضب من اجله ولا نصبر اذا قدرنا، وامرنا بالعفو والصفح فيما كان من اجلنا وهذا من اخلاق الله ونحن مطلوبون بالتخلق باخلاق الله فكيف اخذ المشركون وهو باب يرجع اليه وفى حق نفسه فكيف انتصر لنفسه والقواعد الالهية مبنية على غير هذا وقد جاء فى الخبر ان الله تعالى يقول يوم القيامة لاهل الحشر يا عبادى ما كان بينى وبينكم فقد غفرته لكم فانظروا فيما بينكم فانه لا يجاوزنى ظلم ظالم ويظهر فى الشرك انه فيما بينه وبينهم فلما ذا اخذ به ولم يغفره، فاعلم وفقك الله ان الشرك بالله باب من التباعات وظلم الغير ولهذا اخذ الله به فان التباعات على ضروب فى الدماء والاموال والاعراض، والشرك من باب تباعات الاعراض وهو من باب الفرية وان يقال فى الشىء ما ليس فيه وهو البهتان وليس فى الشرك من الامور التى بين الله وبين العبد وهو اكبر الكبائر، فاذا كان يوم القيامة وحشر الناس فى صعيد واحد وضج المظلومون عند معاينة ما لا طاقة لهم بحمله من الاهوال ضجت الاصناف الذين اتخذوا آلهة من دون الله من حجر شجر وحيوان وانسان وكوكب وروحانى وقالوا يا ربنا خذ لنا حقنا ممن افترى علينا ونسب الينا ما ليس فينا وقال انا آلهة فعبدونا ونحن لا نضر ولا ننفع وليس لنا من الامر شىء فخذ لنا حقنا وهنا يقع تفصيل.

فاما كل من عبد من دون الله من حجر وشجر وانسان مشرك اشرك نفسه مع الله وحيوان وروحانى مشرك ايضا فانهم يدخلون مع الذين عبدوهم فى نار جهنم ليكون انكى لهم اذا عاينوهم ومن كان ارتضى منهم ما ينسب اليه كفرعون وغيره فهو مشارك لهم فى عذابهم، ومثل الاحجار والاشجار فلم تدخل للعذاب ولكن دخلت لنكايتهم ان تكون معهم آلهتهم كما قال الله تعالى (إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) ويقول المشركون هناك (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) وقال تعالى (وَقُودُهَا اَلنّاسُ واَلْحِجارَةُ) وهم المشركون وهم الاصنام المعبودون من دون الله ونفى الاصناف الذين سبقت لهم منا الحسنى وكانوا عن النار مبعدين، فاعلم ان الذين عبدوهم لما فقدوهم اتخذوا مثله على صورتهم عبدوها كالصليب للنصارى والصور التى يصورونها المشركين فتلك الامثال تدخل معهم النار التى صنعوها على صورة هذا المعصوم السعيد كائنا من كان وهذا ينكيهم جدا، ووجه آخر من نكاية الله لهم ان لاهل الجنة اطلاع على اهل النار يعاين هؤلآء هؤلآء وهؤلاء هؤلآء فيزيد نعيم هؤلآء ويزيد عذاب هؤلآء، يقول الله تعالى (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ اَلْجَحِيمِ) قال (تَالله إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ولَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُحْضَرِينَ) وقد بانت مسئلة اخذ الشرك واتضحت.

واما الخلود فراجع الى النيات كما الدرجات راجعة الى الاعمال والاختصاصات كما الدخول راجع الى الرحمة والعذاب فى النار والجنة وكذلك الدركات فى مقارنة الدرجات بالاعمال فافهم، وان فى هذا الفصل تفصيلا طويلا تضيق هذه العجالة عنه فلنرجع الى مسألتنا ونقول فلما كان عند النبى صلى الله عليه وسلم سوال الحق عباده عن اعمالهم بالتقرير والانكار والتوبيخ والتقريع من المشقات الكبيرة والآلام العظام اقسم له سبحانه بنفسه ليشتفى من اعدائه فى ذلك الموطن فقدم له اخبار هذا واقسم عليه تاكيدا لينقص عنه من ذلك الضيق الذى يجده بعض شىء ولما علم ان نبيه صلى الله عليه وسلم فى المقام الذى اوصله اليه سبحانه بعنايته التى تقتضى له ان يعامل الوقت كما ينبغى بما ينبغى لما ينبغى بخلاف صاحب الحال فانه يعامل وقته بما لا ينبغى كما لا ينبغى لما لا ينبغى لانه امر الاهى خبر وانما هو كذلك بالنظر الى المقام المطلوب بالهمم امره بالتسبيح الربانى ليشغله به عن ضيقه والمه وحرجه، وزواله بالكلية محال من اجل الموطن.

ولهذا قال له فى هذا الموطن فى آية اخرى (واِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) فجعل من باب الاشارات واللطائف قولهم حكم الله عليه كما جعل قوله حكم الله علينا وفى هذه الآية تأنيس وبشارة لنا بان امر نبيه بالصبر فى هذه الآية على الحكم الربانى عليه فى ذلك فاخبر بوجود الضيق والمشقة لذلك الحكم فكذلك اذا جاء الحكم منه علينا بما لا يوافق غرض النفس فيأخذه المؤمن عن مشقة وجهد وعناء فانه لا يسقط عن مرتبة الايمان كما لم يسقط وكان هذه الآية تنفس عن الشدة التى فى الآية فى الباب الاول قوله فلا وربك لا يؤمنون وان كان الحكم النبوى من مقام النص الاعتصامى وهذا الحكم الذى على النبى عليه السلام من المقام الالهى على الكشف ومن مقام التضمين فهو ممتزج بضروب توحيد عينه بكونه ولكن لا يضر هذا القدر فى هذه المسئلة فانه يؤيدنا قوله تعالى (واَلَّذِينَ جاهَدُوا فِينا) وقوله (واِصْبِرُوا وصابِرُوا) وقوله تعالى (وبَشِّرِ اَلصّابِرِينَ اَلَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) فقد وصف المقام بالمحاهدة والصبر وتلك المشقة عينها ثم امره سبحانه بالاشتغال بالرب من مقام التذلل فالرب هنا بمعنى السيد وفى التسبيح بمعنى الثابت فاراد سبحانه بما امره به من التسبيح الربانى والعبادة الربانية ان يفنيه عنهم الى يوم يلقاه.

ولما كان القسم بالرب جعل الحكم بالتسبيح لهذا جعل الاسم والعبادة له حتى لا يكون لاسم آخر سلطان عليه فى هذه النازلة على هذا المقام فقال له تعالى (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) وقال (واُعْبُدْ رَبَّكَ) وكان الغرض ان اجعل فى آخر كل باب من اللطائف الروحانية والاشارات الالهية فصلا كالروح يكون لحسم ذلك الباب لان الابواب من المعاملات والمعارف للمعاملات كالارواح للاجسام فاخذت ذلك الى منتهى الابواب فاجعلها هناك بعد آخر كل باب فصولا خمسة قصارا فيما ذكرناه من حقيقة كل آية قسم ربانى والله المؤيد.

الباب الثالث

فى قسم الله جل ثناؤه على الحشر الروحانى والجسمانى اقسم سبحانه على نفسه باسمه الرب المضاف الى نبيه محمد عليه السلام فى سورة مريم عليها السلام من القرآن العزيز فقال عز من قائل (فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ واَلشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى اَلرَّحْمنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا) اعلم وفقك الله ان الانسان لما قال منكرا (أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) احاله الله تعالى على نشأته الاولى فقال (أَ ولا يَذْكُرُ اَلْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئاً) وهذا فيه وجهان،

الوجه الواحد أن هذا الذى يقال له الانسان لم يك قبل ذلك انسانا فشيئا هنا معناه انسانا كما تقول فى جسد الانسان اذا مات انه انسان بحكم المجاز أى قد كان انسانا فانه لا يتغذى ولا يحس ولا ينطق ومتى بطلت الاوصاف الذاتية بطل الموصوف فقد كان الانسان قبل ان ينطلق عليه اسم انسان ترابا وماء وهواء ونارا وروحا قدسيا الهيا وقد كان دما ثم انتقل نطفة وهى نشأة الاين، وقد كان ذلك الدم برا ولحما وشحما وفاكهة وغير ذلك من المطعومات وقد كان الانسان اشياء لكن لم يكن انسانا.

والوجه الآخر أن يكون قد احاله على حقيقته الاولى التى هو فيها انسان بالقوة وهو اول البدء وهو شىء لا من شىء ولا كان شيئا واحاله فى هذه الآية على النظر الفكرى الذى يستدل به على معرفة الفاعل، ثم ان النبى عليه السلام لما سمع من الانسان هذا الانكار وتكذيبه فيما قال الله من حشره الاجساد بعد موتها ولهذا ورد فى الخبر الصحيح عن الله تعالى يقول الله تعالى شتمنى ابن آدم ولم يكن ينبغى له ذلك وكذبنى ابن آدم ولم يكن ينبغى له ذلك، اما شتمه اياى فقوله ان لى صاحبة وولدا وانا الواحد الاحد لم اتخذ صاحبة ولا ولدا، واما تكذيبه اياى فبقوله انى لا اعيده كما بدأته وليس اول الخلق على باهون من اعادته ، فلما كان فى انكار الحشر والاعادة تكذيب الله جل علاؤه شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فان الصفوة الخالصة من عباد الله تعالى لما اطلعهم الله كشفا وتحقيقا بسرائرهم وحقائقهم على جلال الحضرة الالهية وقد سها وكبريائها وعظمتها ملأت العظمة والجلال قلوبهم واسرارهم ثم نظروا فى عالم الكون والفساد فرأوا ما هم عليه من عدم احترام خالقهم وكلامهم فيه بما لا ينبغى ونسبتهم اليه بما لا يليق به، وشق عليهم سماع ذلك وودوا لو يملكوهم لينتقموا منهم على ما كان منهم.

ولما لم تكن الدنيا دار انتقام مطلق وتقلق الخالصون من عباده لا يقاع النقمة بهم اقسم البارى باسمه جل ثناؤه والمضاف الى نبيه بحشر الجميع الصالح والطالح فى مقابلة الانكار الروحانى والترابى وجعل الطريق الذى هو الصراط على النار حتى لا يبقى احد الا ويرد عليها فمنهم السوى ومنهم المكبوب وما قدروا الله حق قدره فقال تعالى (فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) من انكر الحشر والشياطين فهم الذين يوحون اليهم ليجادلوا اهل الحق وقد كشف ذلك الرسول واهل الكشف ولهذا ذكروا له فى المقسومين عليهم حتى يسكن ما يجده من الالم بالوعد الذى وعده الله للانتقام المطلق فافهم ما قررناه والله الهادى الموفق للاصابة.

الباب الرابع

فى قسم الله جل ثناؤه بالربوبية على ضمان الرزق والجنة، والضمير يعود على المذكور اقسم سبحانه بنفسه من اسم الرب المضاف الى السماء والارض على نفسه ان الرزق قضاء وعد به اولياءه فى السماء ومثله بالنطق منا الذى لا يرتاب فيه ليتميز المؤمن الكامل من غيره فقال تعالى (وفِي اَلسَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ) (فَوَ رَبِّ اَلسَّماءِ واَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) اعلم ان الانسان موجود فى برزخ كالخط بين الظل والشمس والبرزخ الذى بين البحرين فهم فى العالم بين العلو وهم الروحانيات والعقول جميع العلويات وبين العالم السفلى وهى الحيوانات والنباتات والمعادن والارض فاخبر الله انه رب العالم العلوى والسفلى وهذا البرزخ الذى هو الانسان مركب من العلوى والسفلى ليس شيئا زائدا فهو ايضا ربه سبحانه ومعنى ربه سيده ومالكه ومربيه ومصلحه ومثبته فاثبت افتقار العالم اليه فى هذا القسم بهذا الاسم فالكل صنعه وخلقه وفعله.

ولما كان العالم العلوى لا مناسبة بينه وبين العالم السفلى الا بالاستمداد والاستفادة وكان العالم العلوى يستحق اسم الرب لافادته، والسفلى اسم الاستفادية وكان العالم العلوى متعددا متباين الحقائق وكان العالم السفلى كذلك ولهذا قالت الملئكة ( وما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) والسر الذى اودعه فى فلك ما غير الذى اودعه فى غيره من الافلاك وكذلك العالم السفلى مثله فما من حقيقة فى العالم العلوى الا وقد جعل الله فى مقابلتها حقيقة فى العالم السفلى وهذا الموجود الانسان جامع لهذه المعانى كلها فلهذا صحت له الخلافة وحده دون غيره من العوالم، فهو روح العالم الا ترى الدنيا باقية مادام هذا الشخص الانسانى فيها والكائنات تتكون والمسخرات تتسخر فاذا انتقل الى الدار الاخرى مارت هذه السماء وسارت الجبال ودكت الارض وانتثرت النجوم وكورت الشمس وذهبت الدنيا وقامت العمارة فى الدار الآخرة بنقل الخليفة اليها ومن هنا تعرف مرتبة الانسان على غيره من العوالم وانه المعنى الكلى المقصود فلابد ان يقسم له به ولغيره لانه ليس مطلوبا.

ولما اقسم الله بهذا القسم ضجت الملائكة فى السماء حيث اقسم لهم الله بنفسه لكونهم لم يثقوا بالضمان دون اليمين وغطى ذلك على الملئكة وما عذرونا وعذرناهم فلو عرفوا جمعيتنا وانهم وغيرهم فينا لما ضجوا وعذرونا.

ولما كان الله عليما بنا لهذا اقسم لنا فان جمعيتنا تعطى ذلك وعذرناها فى ضجتها وانكارها كما عذرناها حين تكلمت فى ابينا آدم لانه من تكلم فى حقيقة ومن مرتبته اعذر من نفسه وما تعدى ما خلق عليه فلابد من ايقاع هذا القسم لنا لما تقتضيه مرتبتنا من التهمة وعدم الثقة التى هى اوصاف اسافل نشأنا وبضدها اوصاف عالية فمن يعرفنا يعرف لمن اقسم منا فيستريح ولا ينكر فانه ما خرج عن حقيقته ولا ادعى فى غير مرتبته فان الاحوال غالبة على كل صنف من العوالم فاقسم لمن غلب عليه حال ظلمته واسفله.

والدليل على ما قلناه انه مع هذا القسم لم تصح له الطمأنينة بل بقى من اجل صاحب عقد على ذلك لا صاحب حال فان حاله يشهد عليه بذلك ولهذا تضطرب عند فقد الاسباب فصرف حقيقته بهذا الحال ولم يؤثر القسم فى حاله وكذلك هو فى الجنة سواء لانه لو اضطر اليها ما اضطر الى الرزق غدوة وعشية لظهر منه الاضطراب وعدم الايمان كما ظهر فى الرزق ولكنه لما لم يضطر اليه تخيل انه كامل الايمان بها واضطرابه فى الرزق يشهد عليه بالتهمة مطلقا ولهذا وقع القسم ووقع بالسماء والارض الذى هو وجود العالم باسره من طريق ذاته لا من طريق حاله ووصفه وسيأتى قسمه بحاله ووصفه فى الباب الخامس حتى يكمل شرف العالم كله من كونه مضافا اليه عموما، وشرف محمد عليه السلام خصوصا فقد جمع له بين الخصوص والعموم بخلاف غيره من جنسه فانه فى دائرة العموم ليس له من هذا الاختصاص شرب اعنى القسم باسم المضاف اليه فان القسم بغير الاسم فى القرآن كثير والاضافة الى الاسم من غير قسم كثير وهذا له مرتبة وهذا الآخر له مرتبة وللجميع بين القسم بالاسم مضافا اليه مرتبة اخرى ثالثة ليست تانك فاعلم والله الموفق.

الباب الخامس

فى قسم الله جل ثناؤه بالربوبية على قدرته ونفوذها فى تبديل الخلق بخلق آخر خير منهم، اقسم سبحانه على نفسه بالاسم الرب المضاف الى المشارق والمغارب فقال عز من قائل فى سورة المعارج من القرآن العزيز (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ اَلْمَشارِقِ واَلْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) .

اعلم ان الله سبحانه لما اقسم بذات الموجودات اقسم ايضا بحالها وهو الشروق والغروب وهى حالة لا تعرف الا بوجود الكوكب والسماء والارض فاقسم بالمشرق والمغرب لا بالشروق والغروب لان القسم ينبغى ان يكون بالثابت لا بالزائل والمشرق ثابت والشروق زائل فاقسم بالذات من كونها مشرقا ومغربا فربط الصفة بموصوفها واقسم بالجمع لانها مشارق ومغارب كثيرة وفى شهادته وغيبته وظاهره وباطنه وفى عالم الجسوم وفى عالم الارواح وفى الدنيا وفى الآخرة وفى الجنة وفى النار وفى الحجب وفى التجليات وفى الجمع والفرق وفى المحو وفى الاثبات وفى الفناء والبقاء وفى السكر والصحو وفى اليقظة والنوم وفى كل حال من احوال الوجود مطلقا فكما اقسم بذوات الوجود مطلقا اقسم بها من حيث احوالها مطلقا فلم يترك شيئا بعد هذا ينبغى ان يقسم به.

ثم اعلم ان القدرة الالهية لا يعسر عليها ايجاد ممكن البتة ولكنها اذا لم توجد ممكنا من الممكنات فان ذلك راجع الى الارادة لا الى القدرة.

ثم لتعلم ان الموجود ذات قد كملت اجناسها واركانها فكل ما يظهر فانه منها وفيها فلم يبق التبديل سواء فى الصور والاشكال فهو تبديل عرضى كما تبدل السماء والارض وكما تبدلت النطفة علقة والعلقة مضغة وكما تبدلت لنا اللقمة دما وثفلا وهكذا بقى التبديل فان كان التبديل من كون الى كون كتبدل الماء هواء وشبه ذلك فهذا تبديل الاعيان، وان كان التبديل من صفة الى صفة كالابيض يصير احمر والاحمر يصير اخضر والبارد يصير حارا فهذا هو تغيير الموصوفات بالصفات لان الحمرة عادت خضرة كما استحال الماء هواء فهذا هو التغير وان كان عندنا المائية والهوائية والنارية والارضية صورا فى الجوهر يسمى بها هواء وماء وغير ذلك ولكنه ادراكه اغمض من ادراك تبدل الاحمر اصفر والابيض اسود فاعلم ذلك وهذا الخبر الذى وصف الله نفسه بتبديل الخلق فى عمارة الموطن يحتمل ان يكون على الامرين اللذين ذكرناهما اذ الذوات مشتركة فى الجوهرية مماثلة واختلافها بالصور والاشكال والحدود الذاتية لها انما هى ذاتية للصور والشكل لا للمشكل والصور ولكن لا يفعل هذا الشكل فى العين الا فى المشكل فيظن الظان انه يجد المشكل وهو على الحقيقة انما يجد الشكل لكنه لا يقدران يتصوره فى غير متشكل فقد بان لك التبديل فى الخلق وان القدرة لا تعجز عن ذلك فان لم تفعل فان الارادة لم تتعلق به ولا سبق فى العلم تبدله ووقع الخطاب بما يقتضى حقيقة الممكن، تمت الابواب فهو تبديل عرضى كما تبدل السماء والارض وكما تبدلت النطفة علقة والعلقة مضغة وكما تبدلت لنا اللقمة دما وثفلا وهكذا بقى التبديل فان كان التبديل من كون الى كون كتبدل الماء هواء وشبه ذلك فهذا تبديل الاعيان، وان كان التبديل من صفة الى صفة كالابيض يصير احمر والاحمر يصير اخضر والبارد يصير حارا فهذا هو تغيير الموصوفات بالصفات لان الحمرة عادت خضرة كما استحال الماء هواء فهذا هو التغير وان كان عندنا المائية والهوائية والنارية والارضية صورا فى الجوهر يسمى بها هواء وماء وغير ذلك ولكنه ادراكه اغمض من ادراك تبدل الاحمر اصفر والابيض اسود فاعلم ذلك وهذا الخبر الذى وصف الله نفسه بتبديل الخلق فى عمارة الموطن يحتمل ان يكون على الامرين اللذين ذكرناهما اذ الذوات مشتركة فى الجوهرية مماثلة واختلافها بالصور والاشكال والحدود الذاتية لها انما هى ذاتية للصور والشكل لا للمشكل والصور ولكن لا يفعل هذا الشكل فى العين الا فى المشكل فيظن الظان انه يجد المشكل وهو على الحقيقة انما يجد الشكل لكنه لا يقدران يتصوره فى غير متشكل فقد بان لك التبديل فى الخلق وان القدرة لا تعجز عن ذلك فان لم تفعل فان الارادة لم تتعلق به ولا سبق فى العلم تبدله ووقع الخطاب بما يقتضى حقيقة الممكن.

تمت الابواب

الفصل الاول

فى روحانية الباب الاول، رب الايمان فى العيان عين التحكيم لاهل التفهيم، حرف الغاية لاهل البداية، شجر الخلاف يذهب حقيقة الائتلاف، التثنية لا تصح الا فى الروحانية مع الطينية، الوجود لاصحاب العقود، النفوس عالم متوسط بين المعقول والمحسوس، الحرج فى اول درج وفى اخر درج، حرف التبعيض فى التمريض، وحرف التبيين للتبعيض، الاسماء الناقصة للذوات الناكصة، القضا فيما قد مضى، حرف الخطاب للاحباب، حرف الظرف لاصحاب الحرف، حرف العطف لاصحاب القطف، تسليم الحال لاهل المحال، ضمير الجماعة لاضمارهم الساعة، التاكيد بالمصادر لالتحاق الوارد بالصادر، واو القسم تعظيم النسم، حرف النفى خارج عن الرأى حذف الحروف للعوامل تبيين فى المسائل، ضمير الغائب للاجانب.

الفصل الثانى

فى روحانية الباب الثانى، رب السوال حقيقة فى المنال، السوال على النور الذى مال ضمير الغائبين فى المحجوبين، التاكيد بالجمع من اجل الصدع، حرف يجاوز الاشياء لاثبات الانباء، ما الكون لنقصان العين الكون الجامع للمعطى والمانع والضار والنافع الاعمال نتائج الاحوال الامر بالامضاء تنفيذ القضاء، حرف الالصاق لوجود الاتساق المامور مغرور الاعراض للاغراض والاعتراض الاشراك عقد الاشراك كناية الجمع عن الواحد تعظيم الشاهد، الكفاية عين الحماية، الاستهزاء البادى سم الاعادى، سريان المنافع فى الاشياء سبب حمل الالهة على السواء، الاستئناف المعرف بلاء مضعف، الضيق عن الغيرة باب الحيرة التسبيح بحمد الرب دليل على المقام الرب، الدليل توسل للتوصل، اتيان الموت حسرة الفوت.

الفصل الثالث

فى روحانية الباب الثالث، الحشر للبشر، انكار المعاد فساد الجهل بالبدء علامة الجهل بالخبء، الشياطين سلاطين الحصور الازا بعض ابتلاء القعود على الركب علامة النوب التفريق لاظهار التحقيق الورود تناقص العقود، الجيم عين الجيم عطف المهلة عين العلة.

الفصل الرابع

فى روحانية الباب الرابع، السماء دون الاستواء، الارض طبقات الخفض، الحق مدرج فى الحق، حرف التوكيد علامة التبديد، الرزق والجنة بابان للمنة فتحهما من غير منة، ومن شرط الواحد السنة، ومن شرط الآخر وجود العنة، الرزق سبب النطق.

الفصل الخامس

فى روحانية الباب الخامس، فى المشارق والمغارب تحصيل المذاهب، مشرق الابصار طلوع الانوار، ومغرب الابصار وجود الاسرار، مطالع العقول مشارق النقول، مغارب العقول السر المدلول، مشرق النفوس طلوع التجنيس، مغرب النفوس حضرة التقديس، مشرق الارواح شروق الايضاح، مغرب الارواح انفاس الرياح، مشرق الاسرار شروق الاستظهار مغرب الاسرار مشاهدة الظهار، التبديل دليل التحميل، النفوذ الاقتدارى لا يسبق لارتباط الموجودات بالحق.

تم الكتاب بحمد الله ومنه


بعض كتب الشيخ الأكبر

[كتاب الجلالة وهو اسم الله] [التجليات الإلهية وشرحها: كشف الغايات] [ترجمان الأشواق وشرحه: الذخائر والأعلاق] [مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم] [التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية] [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب] [كتاب كلام العبادلة] [كتاب إنشاء الدوائر والجداول] [كتاب كنه ما لابد للمريد منه] [الإسرا إلى المقام الأسرى] [كتاب عقلة المستوفز] [كتاب اصطلاح الصوفية] [تاج التراجم في إشارات العلم ولطائف الفهم] [كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل] [الوصية إلى العلوم الذوقية والمعارف الكشفية ] [إشارات في تفسير القرآن الكريم] [الفتوحات المكية] [فصوص الحكم] [رسالة روح القدس في مناصحة النفس] [كتاب الأزل - ثمانية وثلاثين] [أسرار أبواب الفتوحات] [رسالة فهرست المصنفات] [الإجازة إلى الملك المظفر] [محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار] [رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار] [حلية الأبدال وما يظهر عنها من المعارف والأحوال] [كتاب الألف وهو كتاب الأحدية] [كتاب العظمة] [كتاب الباء] [كتاب الياء وهو كتاب الهو] [كتاب الحروف الدورية: الميم والواو والنون] [رسالة إلى الشيخ فخر الدين الرازي] [الإسفار عن نتائج الأسفار] [كتاب الشاهد] [الحكم الحاتمية] [الفناء في المشاهدة] [القسم الإلهي] [أيام الشأن] [كتاب القربة] [منزل القطب ومقاله وحاله] [منزل المنازل الفهوانية] [المدخل إلى المقصد الأسمى في الإشارات] [الجلال والجمال] [ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا] [رسالة المضادة بين الظاهر والباطن] [رسالة الانتصار] [سؤال اسمعيل بن سودكين] [كتاب المسائل] [كتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام]

شروحات ومختصرات لكتاب الفتوحات المكية:

[اليواقيت والجواهر، للشعراني] [الكبريت الأحمر، للشعراني] [أنفس الواردات، لعبد اللّه البسنوي] [شرح مشكلات الفتوحات، لعبد الكريم الجيلي] [المواقف للأمير عبد القادر الجزائري] [المعجم الصوفي - الحكمة في حدود الكلمة]

شروح وتعليقات على كتاب فصوص الحكم:

[متن فصوص الحكم] [نقش فصوص الحكم] [كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح فصوص الحكم] [كتاب شرح فصوص الحكم] [كتاب جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص] [شرح الكتاب فصوص الحكم] [كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم] [كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح ا فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي] [كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص] [تعليقات على فصوص الحكم] [شرح كلمات فصوص الحكم] [المفاتيح الوجودية والقرآنیة لفصوص حكم]

بعض الكتب الأخرى:

[كتاب الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى الترمذي] [الرسالة القشيرية] [قواعد التصوف] [كتاب شمس المغرب]

بعض الكتب الأخرى التي لم يتم تنسيقها:

[الكتب] [النصوص] [الإسفار عن رسالة الأنوار] [السبجة السوداء] [تنبيه الغبي] [تنبيهات] [الإنسان الكامل] [تهذيب الأخلاق] [نفائس العرفان] [الخلوة المطلقة] [التوجه الأتم] [الموعظة الحسنة] [شجرة الكون]



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!