موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية

*** يرجى الملاحظة أن بعض هذه الكتب غير محققة والنصوص غير مدققة ***

الحروف الدورية الميم والواو والنون

للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

بِسْمِ الله اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ

وبه الحول والقوة الحمد لله فاتح الغيوب وشارح الصدور، وعاطف الأعجاز بفنون الإعجاز على الصدور، وواهب العقول انواع المعارف عند الورود ومحليه بها عند الصدور، مخصص اهل المعروف، بخصائص الاسماء وخواص الحروف، جاعل الحروف امة من الامم، مودعها ما تعطيه ذواتها من الحكم، عند تركيبها وانفرادها مع الهمم، كق وش وغ، فهذه حروف مفردة وهى من جملة ما تفيد من الكلم، وضعها على ضروب شتى من الوضع بحكم ما تعطيه حقيقة الطبع مراتب فى المعارج الروحانية، ومراتب فى المخارج الظلمانية، ومراتب فى المدارج الرقمية، وذلك بتقدير العزيز العليم.

ومن أسناها وجودا وأعظمها شهودا «الميم والواو والنون» المعطوفة أعجازها على صدورها لوسائط حروف العلل المؤيدة بسلطان «كن» ليكون ما لا بد أن يكون وهى الالف فى قولك

«واو» اللازمة حضرة الجود المنزل بالقدر المعلوم، وان كان غير مخزون والواو المضموم ما قبلها فى قولك «نون» وهى دليل العلل الروحانية لقوم ينظرون، والياء المكسور ما قبلها فى قولك «ميم» وهى دليل العلل الجسمانية لقوم يتفكرون.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وسلم تسليما كثيرا ما فصل القلم واجمله النون.

اما بعد فهذا منزل شريف يعطيك من المعارف الالهية الوجودية ما يناسب فى المشاهد الميم والواو والنون الذى آخرها اولها فلا اول ولا آخر، فاعلموا وفقكم الله ان الحروف سر من اسرار الله تعالى والعلم بها من اشرف العلوم المخزونة عند الله، وهو من العلم المكنون المخصوص به أهل القلوب الطاهرة من الانبياء والاولياء وهو الذى يقول فيه الحكيم الترمذى «علم الاولياء» ، ولنا فيه موضوعات منها باب فى الفتح المكى وسيط.

ومنها باب بسيط فى الفتح الفاسى، وسميناه المبادى والغايات بما تتضمنه حروف المعجم من العجائب والآيات.

ومنها كتاب بسيط ايضا تكلمنا فيه على الحروف المجهولة التى فى أوائل سور القرآن وهى بضع وسبعون حرفا بالتكرار واربعة عشر حرفا من غير تكرار فى تسعة وعشرين سورة لما فسرنا القرآن على هذه الطريقة الالهية.

3 ومنها كتب وجيزة مثل هذا وغيره، ولتعلموا ان العلم بالحروف مقدم على العلم بالاسماء تقدم المفرد على المركب ولا يعرف ما ينتجه المركب الا بعد معرفة نتيجة المفردات التى تركبت عنه.

و لاصحابنا فى هذه المسئلة خلاف فى الظاهر وليس بخلاف اصلا، الا ان الواحد شاهد مشاهد لم يشهدها الآخر وشاركه فى مشاهده فهذا اعم وهذا اخص.

فلو وقف المخالف القائل بالنفى عند ما شاهده ولم يتعد انصف، وانما جعله فى ذلك ربط الحضرة الالهية فى الايجاد بعالم التركيب من الحروف وهى كلمة «كن» فجاء بالحرفين ولم يأت بحرف واحد وهذا هو والله اعلم الذى اوقعهم فى ذلك.

و ليعلموا ان الواحد المفرد له فى ذاته خاصية وان المفردات اذا تركبت اعطى التركيب خاصية لا توجد فى كل مفرد بعينه وهى ايضا خاصية لمفرد، وما شعر بها اصحابنا فانها خاصية التركيب وهو معنى مفرد.

وكذلك جميع النتائج لا تكون الا عن الفردية، ألا ترى الى المقدمتين عند المنطقى مركبة من ثلاثة يتكرر الواحد فى المقدمتين فتظهر اربعة وهى ثلاثة، ولو لا هذا الواحد الذى اعطى الفردية لهذين الاثنين ما صح نتاج اصلا.

وكذلك الذكر والانثى لا ينتجان اصلا ما لم تقم بينهما حركة الجماع وهى الفردية.

ولهذا يقول اصحاب العدد: اول الافراد ثلاثة فبالأحدية ظهرت الاشياء لأنها ظهرت عن الله تعالى الواحد من جميع الوجوه وعند ظهور الموحد صدر بثلاث اعتبارات وهى اصل النتاجات كلها، وهو كون الذات وكون القادر وكون التوجه، فبهذه الثلاثة الوجوه ظهرت الأعيان، فتأمل هذه الاشارات تنفعك ان شاء الله تعالى، ولنرجع الى ما كنا بسبيله.

فنقول: للحروف ثلاث مراتب من وجه ما، وهى الحروف الفكرية، والحروف اللفظية، والحروف الرقمية.

والحروف الرقمية فى الوضع على رتبتين، وضع المفرد وهى حروف--ا ب ت ث--و الوضع المزدوج وهى حروف «ابى جاد» فالوضع المفرد منه الحرف المركب وهى--لام الف--فبقى ثمانية وعشرون حرفا على عدد المنازل، وعندنا الألف ليست من الحروف.

وعند جابر بن حيان ان الألف نصف حرف والهمزة النصف الآخر فالالف والهمزة حرف، وقد بينا هذا كثيرا فى غير هذا الموضع.

وهذه الحروف لها وجوه كثيرة تكاد لا تحصى ولكل وجه خصوص امر لا يكون الا له بما هو ذلك الوجه.

ثم ان الحروف وان كانت مفردة فى الخط بالاصطلاح العربى وبعض ما وقفنا عليه من الاقلام فهى مركبة بعضها من بعض كالياء فى بعض خاصيتها من كونها ياء خاصية الذال ولذلك كانت بنقطتين لكل ذال نقطة، وكذلك اللام مركبة من الف ونون والنون مركبة من زاى وراء ففى اللام قوة الألف والنون زيادة على خاصيته وفى النون قوة الزاى والراء كذلك.

وهكذا ايضا فى المخارج فان الهواء انبعاثه من الصدر الى خارج الفم فيتقطع فى المخارج فتبدو الحروف متميزة الذوات فى حاسة السمع، فالاول حرف الصدر والآخر حرف الشفة فحرف الصدر لا يعطى سوى نفسه خاصة وهو اصل وما عداه الى حرف الشفة الذى الواو آخرها فى مقابله، ففى الواو خواص الحروف كلها وقواها لانه لا يظهر عينه عند انقطاع الهواء فى مخرجه حتى يمشى ذلك الهواء على جميع المخارج كلها فحصل فيه من قوة كل حرف، ثم تأخذ ما سكتنا عنه من الحروف على هذا النحو.

وكل حرف من الحروف الرقمية يصح ان يكون اولا وآخرا ووسطا وتتنوع خواصه بتنوع هذه المراتب.

وهذه طريقة الامام جعفر الصادق رضى الله عنه وغيره، كان يقول بصور الحيوانات والاشكال وتضع الحروف عليها ونحن لا نقول بصور الحيوانات ولكن نقول بالاشكال، وما اظن

6 والله اعلم الا انه مكذوب عليه فى ذلك من حيث أنه صورها او أمر بها.

واما ان كان نبه عليها فصورها التلميذ عن غير معرفة منه فهذا هو الذى يليق بمقامه ورتبته فانه أجل من ان يجرى عليه لسان ذنب فانى وان كنت من بعض حسناته فانى لا اقول بهذا فأحرى مثل ذلك السيد المجتبى حسا وعلما.

وكذلك ايضا وان كانت للحروف خواص فبعضها اكثر خاصية من بعض فليست تشبه الحروف الرقمية العربية التى لها الاتصال البعدى وليس لها الاتصال القبلى مثل الدال والذال والراء والزاى والواو والالف وغيرها من الحروف ممن لها الاتصالات ولا يشبه الحرف المشاكل الفلك كرأس الميم والواو والحرف المشبه لما ظهر به من الفلك كالنون الخاصية (؟) فلكل صنف من الحروف ومرتبة فضائل وامور تختص بها والحرف يشبه الحرف من وجوه كثيرة فتارة يشبهه من جهة الصورة كالياىء والباء اذا عريا عن دليلهما وهو النقط وتارة يشبهه من جهة اعداد بسائطه كالعين والغين والسين والشين وكالالف والزاى واللام وكالنون والصاد والضاد وما بقى من حروف يشبه بعضها بعضا فى هذه الحقيقة مثل هؤلاء فاذا اخذوا من هذه الحروف ينوب كل واحد عن صاحبه فى العمل فينوب السين مناب الشين والعين مناب الغين وكذلك كل واحد منهم وانما نبهنا عليه لان قد يكون الحرف يعطى فى العمل معنى وتفسيرا فتنظر الى شبيهه فى البسائط ممن يعطى ضده فتجعله بدله فينجح العمل كالهاء مثلا والواو فان بسائطهما واحدة بالعدد وافلاكهما كذلك فيكون فى الشكل حرف الواو وهو بارد والبرد يعطى البطء فى الاشياء، وانت تحب السرعة فيها فتأخذ الهاء بدله الذى هو حرف حار او الطاء او الميم او الفاء او الذال. ومن مراتب اسرار الحروف ايضا ان يكون آخر الحرف كأوله فى بعض الالسنة كالميم والواو والنون فى اللسان العربى وهو لساننا وهو من مراتب المخارج لا من مراتب القوم فكلامنا على اسراره كطريقة ابن مسرة الجيلى وغيره لا على خواصه فان الكلام على خواص الاشياء يؤدى الى تهمة صاحبه والى تكذيبه فى اكثر الاوقات.

اما تهمته فى دينه فهو أن يكون من اهل الكشف والوجود فيلحق بأهل السحر والزندقة وربما يكفر فهو يتكلم على الاسرار التى اودعها الله فى موجوداته وجعلها أمناء عليها والناس ينسبونه الى ان يقول بنسبة الافعال اليها فيكفرونه بذلك فيأثمون عند الله حيث لم يوفوا من النظر فى حقنا ما يجب عليهم ولا فحصوا عن ذلك  فهذا وجه تكفيرهم.

واما وجه تكذيبهم فان المجربين لهذه الاشياء ينبغى ان يكونوا عارفين بصور التركيب واوقاته واقلامه وغير ذلك فمتى نقصهم دقيقة من ذلك بطل العمل المقصود للعامل فيقول انه اخطأ فى التركيب او لم يحسن، وانما يزكى نفسه ويقول ان فلانا كذب فانى جربت ما قال وما وجدت له أثرا، فالسكوت عن العلوم العملية باهل طريقتنا اولى من كل وجه بل هو حرام عليهم بسطها بحيث يدركها الخاص والعام فيستعينون بها المفسدون على فسادهم.

وغايته ان وضعنا نحن منها فى كتبنا ايماء لاصحابنا حيث وثقنا انه لا يعرف ما أشرنا اليه سواهم فلا يصل اليها من ليس منهم ولا أبالى من تكذيبه اياى اذا سلم لى دينى والحمد لله.

فاما الواو فهو حرف شريف له وجوه كثيرة ومآخذ عزيزة وهو اول عدد تام فان له من العدد ستة فاجزاؤه مثله وهى النصف وهو ثلاثة والثلث وهو اثنان والسدس وهو واحد فاذا جمعت السدس الى الثلث الى النصف كان مثل الكل فيعطى الواو عند اصحاب الحروف ما تعطيه الستة من العدد عند العدديين كالفيثاغوريين ومن جرى على مذهبهم، وهو مولد أعنى حرف الواو عن حرفين شريفين وهو الباء والجيم، والباء لهارتبة العقل الاولى لانه الموجود الثانى أى فى الرتبة الثالثة من الوجود وكذلك الباقى وجود الحروف الرقمية المزدوجة والمفردة.

والجيم أول مقامات الفردانية فاذا ضربت الباء فى الجيم كان الخارج الواو فلها ايضا من قوة ابويها ومزاجها بذلك القدر فكما يفعل الواو فعل الستة كذلك لها قوة الاثنين والثلاثة ولها حفظ نفسها خاصة ولذلك وجد فى الهوية والهوية حفظ الغيب فلا يظهر أبدا فهو اقوى من هذا الوجه من جميع الحروف الا الهاء فان الهاء تحفظ نفسها وغيرها والواو يحفظ نفسه خاصة والهاء والواو عين الهو التى يقال لها الهوية والغير التى تحفظه الهاء هو كاف الكون وهو ظل كن لان كن ذات ظلها الكون لان نور الذات الالهى لما ضرب فى ذات كن امتد له ظل وهو عين الكون فبين الكون والحق تعالى حجاب كن وارتبطت الكاف بالنون لان النون هى الخمسون التى عشرها الهاء كالخمس الصلوات الحافظة درجات الخمسين صلاة كما جاء فى البخارى «هى خمس وهى خمسون ما يبدل القول لدى» فالخمسة عين الخمسين من هذا الوجه.

والكاف انما تحفظه الهاء وقد زالت عنه فى كن فاعتمد على النون حيث كانت هى الهاء فانحفظ وجوده بها وعن هذه المحافظة فى كن انحفظ الكون من العدم فان كن لا تخرج الامر من الوجود الى العدم فانه نقيض ذاته فهو يوجد ولا يعدم اصلا لحقيقة ذاته، وانما الاشياء اذا انعدمت فبوجوه غير هذه نعرفها وقد ذكرناها فى أماكنها.

ثم ان الواو لتحققها بالهاء وجدت على صورتها فى نوع اشكال الهاء وصلت الهاء او قطعت فان كانت مقطوعة فشكلها هكذا--ه-- فهى واو مقلوبة او كذا--ه-- او كذا--ه-- فهى رأس الواو، وكيفما كانت فما زالت عن الواو وكيف تزول والنسبة تحوى على الخمسة احتواء طبيعيا لا يصح غيره.

وان وصلت فالهاء شكلان والواو موجودة فى الشكلين فشكل هكذا--ه‍--فتراها فيها وشكل هكذا فتراها فيها مقلوبة وفى الاول مستقيمة.

وهذا كله دليل على قوة نسبة الروحانى الى الجناب العالى والواو دليله عندنا، وقد اشار الى ذلك الامام ابو القاسم بن قسى فى كتاب خلع النعلين له فمن وقف على اسرار الواو تنزل بها الروحانيات العلى تنزلا شريفا وهى الدليل ايضا لنا على وجود الصورة فينا فى قوله ان الله خلق آدم على صورته .

وبينهما حجاب الاحدية الذى هو الالف فظهر عين الكون على صورة المكون وحال بينهما حجاب العزة الاحمى والاحدية العظمى فتميزت الذوات، فاذا نظرت الكون من حيث الصورة قلت عدما فان الصورة هى الهو فاذا نظرته من حيث ذاته قلت وجودا، ولا تعرف ذلك ما لم تعرف الفاصل بين الواوين وهو الالف فيعرفك ان هذا ليس هذا، وصورة نطق الواو هكذا --واو--فالواو الاولى واو الهوية والهاء مدرجة فيها اندراج الخمسة فى الستة فأغنت عنها، والواو الاخرى واو الكون وظهرت الواو فى الكون والمكون ان شئت واو الهوية ثم هى ايضا فى الواسطة التى بين الهوية والكون وهى كن غيبا غابت من أجل الامر فانها لو ظهرت عند الامر لما ظهر الكون اذ لا طاقة له على مشاهدة الهو وكانت تزول حقيقة الهو فان الهو يناقض الشهادة فهو الغيب المطلق.

ولما كانت هذه الواو لا تقبل الحركات ابدا ما دامت حرف علة لم تزل ساكنة وسكنت النون بحكم صيغة الامر فغابت الواو لاجتماع الساكنين اذ لا يصح اجتماعهما فبقيت غيبا من اجل ظهور الكون فى مقام السكون ولا واسطة بينهما لغيب النون عنها فغابت.

والميم فى المكون زائدة ليست بأصلية والعارض لاثبات له، وغيب الواو من كن عارض من اجل السكون فاذا زال السكون بالكثرة رجعت الواو فقال كونوا فظهرت الصورة واحدة فى الثلاثة بزوال العارض، فكان عين المكون عين كن عين الكون كون كون كون او مكون ان شئت والميم زائدة كما كانت فى المكون فتحقق هذه الاشارات الى دقائق المعرفة بالله تعالى من حيث الاسرار الالهية المدلول عليها بكل وجه، فانظر ما اعجب هذا السريان ولها وجوه جمة من هذا الباب.

فاما النون فان الواو الذى له حجاب بينهما اعنى فانه ما ظهر منه فى الرقم سوى نصف الدائرة مثل ما ظهر من الفلك، ومثل ما ظهر من النشأة فان نشأة العالم كرى نصف الكرة منه حس ونصفه غيب، وكذلك الفلك نصف الكرة ظاهر ابدا ونصفه غائب عن الحس، وعلتنا فى عدم ادراكه كوننا فى الارض فالارض هى الحجاب عليه فما ندركه وكذلك نشأ فى عالم الطبع وظلمته حجبنا عن ادراك عالم الارواح الذى هو النصف الآخر من كرة النشأة فلا نشاهد الا آثاره.

فالنون الظاهرة فى كن عنها ظهرت المحسوسات والنصف الآخر المغيب المقدر عليها هكذا عنه ظهرت الروحانيات.

فالواحد الجسمانى ظهر عن الفهوانية والروحانى ظاهر عن معنى الفهوانية، والواو روحانية الذات فتأخذ المواهب من النصف وتلقيه الى النصف الآخر الجسمانى، ولروحانيتها اتصلت النون الروحانية دون الجسمانية فأخذها منها أخذ اتصال وتعشق والقاؤها على النون الجسمانية القاء تبليغ، ولهذا هى قليلة اللبث عندنا، وصورة الاتصال هكذا «ن» وهذا هو المقام الجبرئيلى ويعطى المواهب مجملة من غير تفصيل فيفصلها الواو وهو القلم عالم التسطير عند الالقاء وهذه النون الأخرى له كاللوح فالامور مفصلة عندها بالقوة من حيث العلم ومن حيث ما هى نون، فهى لمن شاهدها صورة اجمال لا يعرف الناظر فيها ما وراءها وما يحلمه حتى ينبعث الترجمان الذى هو اللسان وهو قلم الاقلام فسطر فى لوح سمع المخاطب ما اجمله نونه فيعرف السامع بعض ما عنده وهو قدر ما سطر، فان ارتقوا الى القاء الهمم فالهمم هناك تكون الاقلام والواوات الروحانية فتلقى على الاسماع من حيث وجه الروحانية منها فتعقل التفصيل فى المجمل ولا واسطة ظاهرة ( نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ ) ولها الخمسون من حيث ما هى محسوسة والخمسون من حيث ما هى معقولة.

والواو لها الستة من حيث ثم جهات وهى ذات النون الجسمية ذات المقدار والشكل، فالنون مائة لمائة اسم اسم الهية لمائة درجة جنانية نعيمية ان كان سعيدا، لمائة حجاب الهية، لمائة درك نارى عقابى ان كان شقيا، ويكفى هذا القدر فى النون فان البسط فيها يؤدى الى ابراز ما لا يسعنى ابرازه فان النون سر عظيم هو باب الجود والرحمة.

واما الميم فانه لآدم ومحمد عليهما الصلاة والسلام والياء بينهما سبب الوصلة لهما فانه حرف علة، فعمل محمد عليه السلام فى آدم بالياء عملا روحانيا من هذا العمل كانت روحانيته وروحانية كل مدبر فى الكون من النفس الكلية الى آخر موجود وهو الروح الانسانى

«كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» وعمل آدم فى محمد عليهما السلام بواسطة الياء عملا جسمانيا، من هذا العمل كانت جسمانية كل انسان فى العالم وجسمانية محمد صلى الله عليه وسلم، فآدم ابو محمد وابونا وابو عيسى فى الجسمية ومحمد أبو آدم وابونا وجد عيسى فى الروحانيات فان أبا عيسى روح القدس من مقام الجسدية وعالم التمثيل، وروح القدس ابن لمحمد صلى الله عليه وسلم من حيث هو روح فهو جد لعيسى على هذا النظام العجيب وان كان توجه على جسدية عيسى لما استوى فى الرحم الاقدس مثل استواء كل نطفة فاعطاه بذلك التوجه الروحانية فهو ابوه مثلنا.

ولما كان الالتحام عن الصورة القدسية بالمحل الاشرف لهذا سميناه جدا حتى ننبه على نشأته الجسدية أنها لم تكن لآدم من جميع الجهات مثلنا، وان لآدم من حيث مريم فيها حظ وللروحانية من حيث جسديتها الممثلة فيها حظ، ولما كان مشتركا وكانت الروحانية غالبة عليه كان يحيى الموتى ويبرئ الاكمه، لان العنصر الروحانى اكثر فيه من العنصر الجسمانى، وكان معصوما بالطبع لا يحتاج الى دافع من خارج كما احتاج غيره.

ثم دل الوجود فى الميم فى بسم الله الرحمن الرحيم على ما ذكرناه، فان ميم بسم لآدم لانه صاحب الاسماء فبهذا المد الموجود فيه كان استمداد عالم الاجسام (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) فان حواء خلقت من آدم فلو خلقت من غيره لم يصدق من نفس واحدة من حيث الجسمية.

وميم الرحيم لمحمد صلى الله عليه وسلم لانه صاحب الرحمة (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) رحمة الايمان (وما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) رحمة الايجاد، فبهذا المد الموجود فيه كان استمداد عالم الارواح فظهر مقامه فى عالم الاجسام آخرا ومقام آدم اولا، فقيل بسم الله الرحمن الرحيم بالجسمانية، الآخر بالروحانية، فاول من تشقق الارض عنه غدا محمد عليه السلام فتبد وروحانيته من ارض جسمانية فيخلع عليه ويقرب.

ولهذا الميم اسرار لا من حيث هذا المقام كثيرة تركناها ايضا مثل النون، وهذه الياء متصلة بالميمين لانها علة (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فاتصل الامر بيننا وبينه من هذا الوجه فلهذا اتصلت الياء بالميمين وبخلاف الروح.

ولهذا قال (بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ) - (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ - اَلنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وهذا كله يعطى الاتصال فلهذا اتصلت الياء هكذا «ميم» واتصلت الواو بالنون الاولى دون الثانية لما ذكرناه هكذا «نون» ولم يتصل الالف بالواوين لما ذكرناه هكذا «واو» فتحقق هذا الحكم وانتهى الغرض.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

تمت الرسالة بعونه


بعض كتب الشيخ الأكبر

[كتاب الجلالة وهو اسم الله] [التجليات الإلهية وشرحها: كشف الغايات] [ترجمان الأشواق وشرحه: الذخائر والأعلاق] [مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم] [التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية] [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب] [كتاب كلام العبادلة] [كتاب إنشاء الدوائر والجداول] [كتاب كنه ما لابد للمريد منه] [الإسرا إلى المقام الأسرى] [كتاب عقلة المستوفز] [كتاب اصطلاح الصوفية] [تاج التراجم في إشارات العلم ولطائف الفهم] [كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل] [الوصية إلى العلوم الذوقية والمعارف الكشفية ] [إشارات في تفسير القرآن الكريم] [الفتوحات المكية] [فصوص الحكم] [رسالة روح القدس في مناصحة النفس] [كتاب الأزل - ثمانية وثلاثين] [أسرار أبواب الفتوحات] [رسالة فهرست المصنفات] [الإجازة إلى الملك المظفر] [محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار] [رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار] [حلية الأبدال وما يظهر عنها من المعارف والأحوال] [كتاب الألف وهو كتاب الأحدية] [كتاب العظمة] [كتاب الباء] [كتاب الياء وهو كتاب الهو] [كتاب الحروف الدورية: الميم والواو والنون] [رسالة إلى الشيخ فخر الدين الرازي] [الإسفار عن نتائج الأسفار] [كتاب الشاهد] [الحكم الحاتمية] [الفناء في المشاهدة] [القسم الإلهي] [أيام الشأن] [كتاب القربة] [منزل القطب ومقاله وحاله] [منزل المنازل الفهوانية] [المدخل إلى المقصد الأسمى في الإشارات] [الجلال والجمال] [ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا] [رسالة المضادة بين الظاهر والباطن] [رسالة الانتصار] [سؤال اسمعيل بن سودكين] [كتاب المسائل] [كتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام]

شروحات ومختصرات لكتاب الفتوحات المكية:

[اليواقيت والجواهر، للشعراني] [الكبريت الأحمر، للشعراني] [أنفس الواردات، لعبد اللّه البسنوي] [شرح مشكلات الفتوحات، لعبد الكريم الجيلي] [المواقف للأمير عبد القادر الجزائري] [المعجم الصوفي - الحكمة في حدود الكلمة]

شروح وتعليقات على كتاب فصوص الحكم:

[متن فصوص الحكم] [نقش فصوص الحكم] [كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح فصوص الحكم] [كتاب شرح فصوص الحكم] [كتاب جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص] [شرح الكتاب فصوص الحكم] [كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم] [كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح ا فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي] [كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص] [تعليقات على فصوص الحكم] [شرح كلمات فصوص الحكم] [المفاتيح الوجودية والقرآنیة لفصوص حكم]

بعض الكتب الأخرى:

[كتاب الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى الترمذي] [الرسالة القشيرية] [قواعد التصوف] [كتاب شمس المغرب]

بعض الكتب الأخرى التي لم يتم تنسيقها:

[الكتب] [النصوص] [الإسفار عن رسالة الأنوار] [السبجة السوداء] [تنبيه الغبي] [تنبيهات] [الإنسان الكامل] [تهذيب الأخلاق] [نفائس العرفان] [الخلوة المطلقة] [التوجه الأتم] [الموعظة الحسنة] [شجرة الكون]



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!