موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية

*** يرجى الملاحظة أن بعض هذه الكتب غير محققة والنصوص غير مدققة ***

رسالة الانتصار

للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

بِسْمِ الله اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ

والحمد لله وحده

هذه رسالة الانتصار فى جواب ما سأل عنه عبد اللطيف بن احمد ابن محمد بن هبة الله كتب بها اليه الشيخ الامام العالم العارف المحقق محيى الدين ابو عبد الله محمد بن على بن محمد بن العربى الطائى الحاتمى رضى الله عنه.

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وعلى عبد اللطيف ابن احمد ابن البغدادى سلام عليك ورحمة الله وبركاته.

اما بعد فانى احمد الله على ما الهم وان علمنى ما لم اكن اعلمه وكان فضل الله عظيما، واصلى على الموروثة اسراره وعلى آله الطيبين وسلم تسليما، وقد انهى الى بعض الاخوان ممن يوثق بنقله ما جرى بينكم وبين الشيخ ابى عبد الله محمد بن عبد الله الشريف انفاسى المعروف بالصيقال من السؤالات فى طريق التصوف ابقى الله رسمه وتمم علينا نعمه فيه، فاخبرنى انه ما سألكم ابو عبد الله الشريف فى مسألة الا اجبتموه على غاية الاستيفاء والايضاح من طريقة القوم وكلامهم رضى الله عنهم ثم اخبرنى انكم سألتموه عن اسولة متعددة فما اجابكم عن واحد منها ثم رغب اليكم فى الجواب عنها فما ادرى هل تكلمتم عليها ام لا وهنا انتهى الخبر عندى، وانا اعزكم الله وان كنت لم الق الشريف ابا عبد الله المذكور مجالسه ولاخبرته ممارسه لكن اخبرنى غير واحد ممن اثق بنقله ان لأبى عبد الله المذكور باعا متسعا ومجالا رحبا ولا ادرى هل ذلك من ذوق أو نقل لكن والله اعلم على ما وصل الى من شاهد حاله انه من اهل النقل وعجز الناقل فى هذا الطريق لا ينظر فان المسائل ذوقية والناقل حال ومع هذا فانه يحتمل وقوفه عندى لاحد اربع موانع.

المانع الاول

من طريق الوقت والمكان وذلك المسائل فى انفسها عظيمة القدر اذ هى واردة من الحضرات الالهية على قلوب اهل الصفاء والوجود، الكلام عليها لا يصلح فى كل موطن على ما فى علمكم حتى يوجد لذلك وقت واخوان فربما حضر المجلس من لا يعرف طريقة القوم واشاراتهم لعدم الذوق ومطالعة اغراضهم ومواظبة مجالسة شيوخهم فى اوقات ميعادهم فخاف على نفسه وعلى منكر يحضر المجلس فامسك رحمة به لئلا ينكر فبهت ولو لا ما اتبع موسى الخضر على شرط عن امر الهى لعاقبه على فعله كما تقرر حكمه فى شريعته ا لا تراه لما نسى الشرط وقع الانكار والسوال فلما نبهه عليه سكت موسى صلى الله عليهما حتى كان من امرهما ما كان والخضر رأس اهل الطريق وسيد الطائفة فمبنى الطريق فى القول والفعل على التسليم وهو قليل.

المانع الثانى

اراد التأدب معكم والتبرك بكلامكم واخذ الفائدة منكم لسر تخيله فيكم او علمه فتحصل الفائدة وتكون لنفسه مجاهدة اذا السكوت عن العلم مع القدرة على الكلام من اشق ما يجرى على النفس.

المانع الثالث

ان الكلام فى هذا الطريق انما هو على الفتح الموهوب اللدنى لا على النظر والبحث والتفتيش وانما هى مراى الهمم مجلوة مهيأة لتجلى الحكم وحصول المشاهدات فالقلوب اذا قامت بها الهمم صفت ونطفت فعلت فوصلت فادركت فملكت فان شاء تعالى وصلت وان شاء أمسكت والصفاء اكرمكم الله يتفاضل على حسب الطريق فقد يوجد فى هذا الطريق صاف واصفى فاذا اجتمع رجلان من هذا الصنف فى محل واحد صافيا واصفى بحيث ان يكون الواحد مثلا عنده من نور الصفا قدر نور الشمس وعند الآخر قدر نور بصر الخفاش فلا شك فى مذهبنا انه يعطى عليه بقوته ويمنعه من الكشف اذ النور عندنا حجاب لمن ضعف بصره والضعف نفس الوقوف معه اللهم الا ان يحتجب عنه له سحابة الرحمة والجود فيأتيه من حيث هو ويقتضى ادراكه عنه فحينئذ تقع بينهما المحادثة وهذا من الموانع العظيمة فقد يمكن ان يكون صمت الشريف من هنا.

المانع الرابع

ان يكون صمته من عجز وحصر فرب صاحب علم قد يعجز فى مسائل من فروع علمه الذى هو سبيله واذا كان هذا على هذا الحد فاراد العبد الفقير الى الله تعالى وهو احقر صوفى فى المغرب واقله سلوكا وانقصه فتحا واكثفه حجابا مجاوبتكم فيما وصل اليه من سوالاتكم لابى عبد الله المذكور فو الله لو رأيت الواصلين منا الى عين الحقيقة لفنيت فى اول لمحة فناءك فى الحق ففتح المغرب لا يجاريه فتح اذ حظه من الزمان الوجودى الليل وهو المقدم فى الكتاب العزيز على النهار فى كل موضع وفيه كان الاسراء للانبياء وفيه تحصل الفوائد وفيه يكون تجلى الحق لعباده وهو زمان السكون تحت مجارى الاقدار وهى الغاية اذا السكون عدم الدعوى لا يبقى وجودا ولا رسما فالحمد لله الذى جعل فتح هذا المغرب فتح اسرار وغيره فلا تفتض ابكار الأسرار الا عندنا ثم تطلع عليكم فى مشرقكم ثيبات قد فرضن عدتهن فنكحتموهن بافق المشرق فتساوينا فى لذة النكاح وفزنا بلذة الافتضاض فارتفعت همة العبد الضعيف الى اجابتكم عند ما دخل احرار طريقتنا فى خدور الصور والتقديس عن ملاحظات الخطاب ومحاورات الكلام وان كنت عاصيا فى الجواب على اصل الطريق فالسائل بدأ بذلك وجوابنا غيره على مغربنا ولذلك ركبت هذا الصعب المهم حتى لا اقعد فى مقعد العين.

قال العبد فلنقدم ما يجب ان يقدم بين يدى جوابنا فنقول والله يقول الحق وهو يهدى السبيل، السؤال فى هذا الطريق عند القوم رضى الله عنهم فى معانى الاسرار على حد ما سألت لا يتصور اصلا وانما يتصور السؤال عنهم فى المعاملات ونتائج المقامات على حد ما نوجهه عليكم من السوالات فى آخر المسئلتين ان شاء الله وانما قلنا لا يتصور السؤال فى معانى الاسرار لما نذكره ان شاء الله وذلك ان شخصين من اهل هذا الطريق اهل الاذواق جمعهما محل واحد فلا يخلو ان يكونا فى مقام واحد اولا فى مقام واحد واذا لم يكونا فى مقام واحد فلا يخلو ان يكون احدهما دون الآخر او فوقه وليس ثم قسم رابع وفى كل قسم ندعى انه لا يتصور سؤال وعليه أتينا الطريق.

وذلك انهما اذا كانا فى مقام واحد فلا فائدة فيه لانهما شربا من عين واحدة بكاس واحد واذا قد تقرر هذا وكشف كل واحد منهما على صاحبه فلا يتصور ان يسأل احدهما الآخر مع حصول العلم عند كل واحد منهما ذوقا فسوال احدهما صاحبه عن اسرار ذلك المقام مع شهوده له فيه هذيان وفضول اذا لصوفى ابن وقته فلا يشتغل فيه الا بما هو اولى به لان الوقت عزيز اذا فات لا يدرك.

وصاحب الهمة يريد ان يكون الوقت له وتحت ملكه فلا يتصور سوال بين المتكافيين الا على ما سنذكره فيما ياتى ان شاء الله، فاذا لم يكونا فى مقام واحد وعدم التكافؤ فلابد ان يكون احدهما فى دون الآخر أو فوقه فان كان دونه وسأله فهو عندنا سوء ادب الطريق لأشياء يعرفها كل من دخله ولهذا نرى الشيوخ الراسخة اقدامهم فيها لا سبيل ان يتكلموا السائل على سر اصلا لان السائل لا يخلوا ما ان يكون مبتدئا اميا أو قد مارس العلوم واخذ منها بطرف اعنى علوم الدرس والبحث والاجتهاد لا علوم الاذواق فكشفه اياها للمبتدى العامى حرام لانه وضع الحكمة عند غير اهلها وانها تزيده عمى وجهالة وتحصل لها فى نفسه فائدة فان اخذها بتحسين فى يوم ما فربما ارتد فشنع عليك بها ورماك باحجارك والطريق مجهولة والانكار اسرع اليها من السهم الى منتهاه.

وان كان السائل كما ذكرنا فهو لا يقبل شيئا على التسليم الا بدليل ولما كانت علوم اذواق وعسر الدليل عليها لم يبق الا ان يدل على ان القائل بهذه العلوم ولى قد اوتى الحكمة واقامة الدليل على تصحيح مسئلة من مسائل الطريق اقرب وايسر من اثبات الولاية لشخص على التعيين اذا لمخبر عن الحق بالعصمة المقطوع بها على صدقه قد فقد وهو الرسول عليه السلام فما بقى لنا الا تحسين الظن بالله فى عباده عند ظهور الطاعة منهم ولزوم التقوى وتخيل الولاية فيمن هو على هذا الوصف من غير قطع بها فلا دليل لهم رضى الله عنهم فى مسائلهم على التعيين الاعلى العموم مثل قوله تعالى واِتَّقُوا الله ويُعَلِّمُكُمُ الله ويُؤْتِي اَلْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ لكن من هو هذا من أو باى دليل اخرجه من التنكير الى التعريف مع انا نعلم ان لله اولياء يلهمهم اسراره ويهبهم حكمه ولكن متى ادعاها انسان اتهم ويتهمه الخارج عن طريقته اصلا ومقامه فرعا فتعين الشخص عسير جدا ولو انخرقت له العادات فما ظنك بشيخ ربما قد ارتقى عن منازل خرق العادات البشرية الحسية وانتقل الى خرق عوائد الاسرار التى لا يعرفها الا من هو فى حزبه كيف يكون حاله مع هذا السائل له واكثر تبيين مسائلهم بالامثلة او الاسترواح من الكتاب والسنة على صناعة التأويل والاعتبار واما ان كان فوقه فسؤاله من دونه عناء ولا يتصور هذا منه لان الاعلى عندنا متى ادعى له من دونه تحصيل اسرار مقام ما فشاهد حاله يكذبه عنده او يصدقه على هذا جرت الطريقة فسوال من ذاق من لم يذق من سوال العنين لذة النكاح.

اعتراض والانفكاك عنه

فان قلت وفقك الله ينتقض عليك هذا بانا وجدناهم يتكلمون بالاسرار السنية ويخاطب بها بعضهم بعضا فنقول هذا لا يلزمنى الا اذا اعترضت بان يقول يتصور الاسرار وتقيمون عليها الادلة ثم تأخذ سرا من اسرار التصوف وتقول دليل هذا السر من العلم كذا وكذا ونبين به حقيقة السر عند السامع الخارج عن طريقك وحينئذ كان يصح اعتراضك.

واما التحدث بالاسرار بينهم لا انكره وانه من باب التحدث بالنعم كرجلين احضرهما الملك فى بساط مشاهدته وارتاعا فى رياض انسه ثم انصرفا من عنده وقعدا يتحدثان بما شهداه فى ذلك المجلس من محادثتهما للملك ومحادثته لهما وما عايناه فى تلك الروضة من اطراد الانهار وسمعاه من نغمات الاطيار واستنشقاه من نفحات طيب الازهار وطعماه من فنون فواكه الثمار، فعلى هذا الوجه يكون التحدث بالاسرار بينهم لا على طلب وجه الدليل فهذا وفق الله الولى أنبئنا عليه الطريق على ما فى كريم علمه.

تذكرة

ثم اذكر وليى بعد هذا فان الذكرى تنفع المؤمنين وهو ان السوال فى هذا الطريق له شرط عظيم اعنى فى موضع السوال وحيث يجب كما تقدم وهو ان يكون السائل عارفا بمقام المسئلة وقدرها ومن اين صدرت ومن حظها من الحضرات الوجودية وعارفا بقدر المسؤل عنها ومقامه منها فان شهد للسائل حال المسئول بمسئلته حينئذ يسأله ليجمع بين قوله ان امكن من النطق وبين حاله اذ قد تقرر فى طريقتنا انه متى ذاق الرجل شيئا من مقامات هذا الطريق وحصل عنده تخلقا فلابد له من تأثير على ظاهره اصلا فيسمون ذلك التأثير شاهد الحال وهو الصحيح الذى يعول عليه لا الفصاحة ولا الجعجعة ألسنا نشاهدهم عند قطع الاسباب والسكون تحت مجارى الاقدار والفرح بما يرد عليهم من الله تعالى من انواع الآلام والعذاب لا يتغيرون هذا هو شاهد الحال لهم على قوة اليقين والرضاء والتسليم لمراد الله تعالى سواء ساء ذلك ام سر نفع او ضر انما هم يشاهدون القائل فى الفعال فلا يرون الا حسنا ولهذا نرى كل انسان فى هذه الطريقة يتكلم وليس كل انسان يتصف فكان ينبغى لك ايها الولى الحميم وان كان سوء ادب منى فى حقك لكنها معاتبة وغيرة منى عليك ان تنظر الى شاهد حال من سألته فان شهد لك حاله برسوخه فى تلك المقامات التى سألته عنها ولم يكن من النطق فعذره مقبول وشاهد حاله فصيح وان كان على غير ذلك وسألت من لا يحب سؤاله فقد لزمك الندم والاستغفار ووجبت لك التوبة مما اتيت به والتضرع بالاقالة مما عثرت فيه.

وعرف الولى عرفه الله ذنبه وجعله ممن اثر ربه انما انهى الى من اسولتكم للشيخ ابى عبد الله سوى مسئلتين، المسئلة الواحدة كيف يجمع بين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب الله وجده وبين قول ابى يزيد رضى الله عنه السالك مردود والطريق مسدود، وهذا كما لا يخفى عليكم فان القائل بالوجه الواحد ليس هو القائل بالوجه الآخر ولا يصح تعارض كلامين ويطلب وجه الجمع بينهما او بابطال احدهما حتى يكون القائل لهما واحدا او يكون من شخصين تكلما عن مقام واحد فى مسئلة واحدة فيكون عين ما ثبته الاول عين ما نفاه الآخر او يوهم اللفط ذلك ومسئلتنا ليس فيها من هذه الشروط شىء.

والمسئله الثانية قول الحسين بن منصور

سقانى مثل ما يسقى كفعل الضيف بالضيف
ما معنى هذا البيت فتعين لى ان اجيبكم عن هاتين المسئلتين اللتين صحتا عندى فى مقام يرتضيه الوقت ويسلمه السامع واعرج عن المراد فى تحقيقها الا لو وقعت المشافهة ثم بعد كلامى عليهما ان شاء الله لوجه على الولى فى هاتين المسئلتين خمسين سؤالا اطلب جوابه عنها تبركا بكلامه وتيمنا بخطه والله يمد الجميع من خزائن لطائفه بالاصابة ان شاء الله.

المسئلة الاولى

سأل الولى تولاه الله كيف يجمع بين

قول الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب الله وجده وبين قول ابى يزيد رضى الله عنه السالك مردود والطريق مسدود قد تقدم ما وقفت عليه فنقول ينبغى ان لا يسأل عنه من شم من طريقة القوم رائحة، ولا من بدت له لائحة لقربه على الافهام فانه متى امكن الجمع بين شيئين يظهر بينهما التعارض بوجه ما وبين حصل الغرض والمراد وقد يجتمعان من وجه ووجوه اخر خلاف ذلك لا يعرفها الا من مارس العلوم ورسخ قدمه فيها ونحن الآن نجمع بينهما ان شاء الله بايسر شىء فى الطريق وستر ما فوقه وما هو أعلى منه واغمض لعلو منصب ابى يزيد لا غير رضى الله عنه فان النبى صلى الله عليه وسلم ليس لنا سبيل اليه الا بحكم الاتباع خاصة.

واما غير ذلك من المقامات فلا، ونوجه على الولى وفقه الله بعد فراغنا من الكلام على هذه المسئلة يتبين سؤالا ولو شئنا بلغنا بها اكثر من ذلك لكن اقتصرنا على السؤالات التى تتعلق ببعض الظاهر منها وتركنا ما عدا ذلك لئلا يتعسر على الافهام ويقال لنا من اين يلزم هذا السؤال وليس فى ظاهر اللفظ ما يعطيه ولا ما شهد له فلذلك تركناها.

ووجه الجمع بينهما بالاستفضال وذلك انا نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب الله وجده هذا صحيح لكن قوله صلى الله عليه وسلم من طلب الله يعنى بالله او بغيره ان كان بالله فضرورة ان يجده ومن طلبه بغيره كيف يصح ان يجده ومعنى وجوده اثبات التوحيد له فى ذاته وفى صفاته وافعاله والطالب له تعالى بنفسه لا يصح له هذا التوحيد فان الاكتساب وان اضيف له فهو مجاز فانه لا يصح ان يطلب الله ويجده الا الذى يطلب معرفته تعالى بفعله لان طلب العبد الله تعالى انما هو فعل من افعال الله خلافا لما يدعيه مخالفوا اهل الحق فان وجود الحق فى حق من طلبه به يجعل الواحد له كالميت بين يدى الغاسل يقلبه كيف شاء ومن تكون له ارادة فليس بميت ولا خرج من رق الدعوى والطالب له بنفسه من هذا القبيل نعوذ بالله لا اشرك به احدا.

فاذا تقرر مفهوم هذا اللفظ فقول ابى يزيد رضى الله عنه السالك مردود والطريق مسدود يجتمع مع هذا الخبر الصدق ويكون هذا الكلام فى حق الطالب نفسه لانه لا يصح له وجود ابدا ونفس السلوك هو الطلب فلا فرق بين ان يقول طلب او سلك فما دام السالك يثبت لنفسه سلوكا من نفسه ومعنى هذا انه يشاهد فى سلوكه نفسه سالكه بارادتها اختيارا منها وغاب عنه فى ذلك المقام ان الله آخذ بناصيته كما دل عليه النص والعقل فهو مردود، وعين سد الطريق دونه فقده لوجود التوحيد الذى ذكرناه لانه كيف يصح ان يجده فاعلا على الاطلاق والكمال وهو يجعل معه فى ملكه فاعلا غيره مثل المعتزلى وان كان مسلما مؤمنا فانه طالب لله تعالى ومع كونه طالبا يضيف الطلب لنفسه حقيقة وجميع افعاله التى تحت اختياره، فانظر هل وجد الله من يكون سلوكه على هذا المنهج قط.

فانما اراد ابو يزيد فى ظاهر التصوف ما ذكرناه آنفا، واما فى باطن التصوف عند التحقيق وفى اى مقام نطق بهذا الكلام واى شىء كان المتجلى له فى ذلك الوقت فليس هذا موضعه وقد اعتذرنا عنه وقد ظهرت المسئلة بحمد الله تعالى وجمع بينها وبين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ما تقرر هذا فانى اوجه على الولى وفقه الله فى هذه المسئلة ثلاثين سوالا.

الاول-لم خصص اسم الله فى قوله من طلب الله دون غيره من الاسماء.

الثانى-هذا الطلب كيف يكون مقيد المعنى او لا مقيدا كقوله (ومن يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَحِيماً) ، الثالث ما سبب هذا الطلب، الرابع-هل هذا الطلب من المقامات المستصحبة ام لا، الخامس-الطلب فى اى مقام يكون، السادس-قوله من طلب هل هو على حده من العموم او يراد به الخصوص، السابع-الكلام فى هذا الطلب هل هو من لوح المحو والاثبات او من ام الكتاب، الثامن، هل هو على الشرط او على الخبر، التاسع-هذا الوجود هل هو وجود الذات نفسها او غيرها، العاشر-هذا الطلب هل هو بالجسم او بالهمة او بهما معا، الحادى عشر-هذا الوجود هل هو من الوجود الذى يصح بعده الرجوع، الثانى عشر-هذا الوجود هل يبقى معه رسم ام لا.

الثالث عشر-هذا الوجود هل هو وجود مكاشفة أو وجود مشاهدة الرابع-عشر هذا الوجود هل هو من مدركات السر خاصة ام لا، الخامس عشر-هذا السالك ما هو.

السادس عشر-متى كان هذا السالك سالكا، السابع عشر-اذا رد هل يزول عنه اسم السالك ام لا، الثامن عشر-الطريق ما هو، التاسع عشر-هل اراد طريقا معينا او جميع الطرق التى للتصوف، العشرون-كيف يكون السر، الحادى والعشرون-كيف يكون هذا الرد، الثانى والعشرون-اين يصل هذا السالك وحينئذ يرد، الثالث والعشرون هل هذا الكلام حال او نقل، الرابع والعشرون السالك هل اراد به الجنس او العهد، الخامس والعشرون-بما يرد، السادس والعشرون-بمادا يسد، السابع والعشرون-لاى شىء يرد، الثامن والعشرون-لاى شىء يسد، التاسع والعشرون-هل هذا السلوك يصح معه وصول ام لا وانما منع ذلك ابو يزيد لعلة، الثلاثون-كيف يجمع بين الحديث وكلام ابى يزيد من غير هذا الوجه الذى ذكرناه فهذه وفق الله الولى ثلاثون سؤالا على الاختصار وتركنا من الاسولة التى تتعلق بظاهر المسئلة جملة.

المسئلة الثانية

وهى قول الحسين رضى الله عنه

سقانى مثل ما يشرب كفعل الضيف بالضيف

الصوفية وفق الله وليى اضياف الله تعالى فى الارض وردوا عليه من الاغيار ونزلوا بحضرته فاضافهم بمعرفته ولهذا قيل لشيخ الشيوخ جعفر بن ابى مدين رضى الله عنه كان بتجانة رحمه الله فى قطعه الاسباب وجلوسه مع الحق تعالى فى بساط مشاهدته فقال شيخ الشيوخ الضيف اذا ورد على احدكم فانه فى كنفه وتحت كرامته ثلاثة ايام بعد ذلك يقال له احترف فى تلك الثلاثة الايام فهو غير عارف بالسنة وان تركه صاحب المنزل فهو عارية، قيل له صدقت فقال رضى الله عنه فان كانت الضيافة ثلاث والصوفية اضياف الله تعالى على ما قدمنا فليس لنا ان نحترف حتى تكمل لى ضيافتى بكمال الثلاثة الايام وايام الله كما قال تعالى (وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ) فياخذ ضيافته على حسب ايامه فاذا كمل لى فى بساط حضرته ثلاثة الاف سنة ثم لا احترف بعدها حينئذ يقول لى ترك السنة قم فاحترف، فانظر هذا النور الالهى ما اسناه وانما سقنا هذا القول تمهيد القوله كفعل الضيف بالضيف، ثم نقول الجواب وفقك الله عن هذه المسئلة من وجوه على حسب المقامات حتى لو نطق الرجل بهذا الكلام من غير هذا المقام الذى يعرفه فيه لكان شرحه على وجه آخر غير الوجه الذى نورده فى اشرحه ان شاء الله، ولقد رأيته فى النوم فسالته ما معنى قولك سقانى مثل ما يشرب فاجابنى ليس كمثله شىء والكلام عندى فيه من صفات الجلال ومن صفات الكمال ومن السبع المثانى ومن قوله يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ ومن اشياء اخر لكن اضطرنى حال الرجل الى الكلام عليه من مقام شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لقوله.

ما قد لى عضو ولا مفصل الا وفيه لكم ذكر وليس يريد الذكر الذى يكون معه الحجاب فانه قد نبه عليه بقوله ولو وقعت المشافهة بيننا لكان الكلام ابسط واتم ولكن اجيبك ان شاء الله على انى فى حال قبض وهيبة فاقول والله يَقُولُ اَلْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي اَلسَّبِيلَ نطق الرجل رضى الله عن ذوقه واعرب عن حاله وصرح بما وصل اليه وذلك ان رب العزة لما اقعده فى بساط المنادمة وهو اول مقامات الانس ادار عليه كاس راح الارتياح اليه لشراب شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ واَلْمَلائِكَةُ وأُولُوا اَلْعِلْمِ الممزوج بماء العناية فلما تحساه وسرى فى اعضائه اخذته اريحية الطرب وسكر ذلك المقام فكشف له عن سره فراى توحيد ربه العزة وقد تقرر فى سره فى توحيده فى ذاته وصفاته وافعاله ثم نظر الى علم الله تعالى فوجد ان رب العزة توحيده فى علمه القديم القائم به على فصاح لما عاين ذلك منشدا (سقانى مثل ما يشرب) فكنى بالشرب عن العلم القديم وكنى بالمثل حملا على نفسه وتجوزا فى لفظه اذا لشرب بعد عدم سابق وشرك حاصل والقديم منزه عن هذا كله والشعر موضع تجوز فلما صدر منه هذا القول جرد رب العزة سيف العين وضرب عنقه بيد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ على نطع الفناء الكلى عند دور كأس معرفة المشاهدة فعند ذلك قال.

فلما دارت الكأس دعا بالنطع والسيف
ثم قيل له ناد عليك بلسانك وصف الحالة ونزه قاتلك ونديمك عن الحيف فانى ساظهر فيك عجبا فنادى بلسانه على نفسه قبل ان يؤخذ من تركيبه ومحبسه وقال.

نديمى غير منسوب الى شىء من الحيف
سقانى مثل ما يشرب كفعل الضيف بالضيف
(فلما دارت الكأس دعا بالنطع والسيف--كذا من يشرب الراح مع التنين فى الصيف) ثم رده الى وجوده بسكره كما ذكر فصلب كما شهر.

اعتراض-فان قلت وفقك الله ان المقام الذى اشرت اليه فى المسئلة من التوحيد هذا هو اعتقاد اهل السنة وفيه افنت الاشعرية اعمارها حتى علمته فاى غريبة اتى هذا الصوفى او باى صفة زائدة ورد علينا.

انفصال-قلنا صدقت وفقك الله فيما قلت لكن بين الصوفى والاشعرى فى هذه المسئلة ما بين علمت وعاينت هو المعنى اللطيف الذى يفضل به الشاهد الغائب ان علمنا قطعا ان الخليفة فى الوجود لسنا كمن شاهده وشاهد حضرته فلقد فى مشاهده صفة واحدة من صفات جلال الله عند فنائك عن نفسك نعنى كل اشعرى على البسيطة ليس بصوفى ولهذا قيل.

ولكن للعيان لطيف معنى لذا سأل المعاينة الكليم
وهذا هو عين اليقين الذى يفضل علم اليقين.

ودليلى على ذلك ان اهل السنة وان كان هذا هو اعتقادهم فانهم يتغيرون عند ما تجرى امور الله تعالى عليهم على غير مرادهم مخالفة لاغراضهم فكيف عند حلول البلايا العظيمة وهذا لعدم مشاهدة المعذب فى العذاب أو المنعم فى النعمة وهذا الرجل صاحب البيت وكل من حصل فى مقامه لا يتغير لذلك بل يلهج فرحا بمراد الله تعالى فيلحظه ساكنا تحت مجارى الاقدار وسكونه عبارة عن ترك الاعتراض فى فعله فيه فبهذا فضلت هذه الطائفة غيرها وقد شوركوا فى العلم وهذا القدر كاف فى الجواب عن هذه المسئلة.

وانا اوجه على الولى وفقه الله فى هذا البيت عشرين سوالا على التحرير كما تقدم فى المسئلة الاولى.

السوال الاول-من اى مقام نطق صاحب هذا البيت بهذا الكلام هل من مقام الجمع ام من مقام الفرق ويتوجه عليك فى اى مقام ادعيته منهما سؤالان.

السؤال-الاول ان كان فى مقام جمع ففى اى جمع فى جمع الهمم او فى جمع الاسرار وان ادعيت انه كان فى الفرق ففى اى فرق فى فرق السلوك اوفى فرق الرجوع. الثانى-هذا السقى ما هو، لثالث-كيف يكون هذا السقى، الرابع-بما ذا يكون، الخامس-فى اى مقام يصح.

السادس-هل هو من السقى الذى يكون عنه السكر أم لا، السابع هل يصح بعد هذا السقى صحو أم لا ان كان يولد السكر، الثامن هل يستصحب هذا السقى المقامات ام لا، التاسع-هل روى بهذا السقى ام لا، العاشر-هل هذا السقى سقى فناء أو سقى بقاء، الحادى عشر- الساقى المضمر فى سقانى من هو، الثانى عشر--المثلية لغوية هى ام عقلية، الثالث عشر هذا الشرب ما هو، الرابع عشر-الشارب المضمر فى شرب من هو، الخامس عشر--كاف الصفة من فعل هل هى ومثليه الشرب على حد واحد ام لا، السادس عشر--الضيف بالضيف هل اراد ضيفين فى بساط مستضاف غيرهما أو كنى بالضيف الواحد عن المستضاف تجوزا، السابع عشر-هل حكم الضيف هنا حكم ضيف العامة ام لا، الثامن عشر--هل خاطب وجوده بوجوده او هل خاطب موجده فهذه ثمانية عشر سوالا--و السؤالان اللذان فى الجمع والفرق فى اول سوالات هذه المسئلة فهذه عشرون سوالا ومثل الولى وفقه الله من يتفضل بجواب وليه فى الخمسين سوالا مع حامل ويفيض عليكم بمواده العلية الكتاب لا زال الحق يمدكم بانواره من الحضرة الربانية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تمت الرسالة بحمد الله ومنه والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم


بعض كتب الشيخ الأكبر

[كتاب الجلالة وهو اسم الله] [التجليات الإلهية وشرحها: كشف الغايات] [ترجمان الأشواق وشرحه: الذخائر والأعلاق] [مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم] [التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية] [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب] [كتاب كلام العبادلة] [كتاب إنشاء الدوائر والجداول] [كتاب كنه ما لابد للمريد منه] [الإسرا إلى المقام الأسرى] [كتاب عقلة المستوفز] [كتاب اصطلاح الصوفية] [تاج التراجم في إشارات العلم ولطائف الفهم] [كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل] [الوصية إلى العلوم الذوقية والمعارف الكشفية ] [إشارات في تفسير القرآن الكريم] [الفتوحات المكية] [فصوص الحكم] [رسالة روح القدس في مناصحة النفس] [كتاب الأزل - ثمانية وثلاثين] [أسرار أبواب الفتوحات] [رسالة فهرست المصنفات] [الإجازة إلى الملك المظفر] [محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار] [رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار] [حلية الأبدال وما يظهر عنها من المعارف والأحوال] [كتاب الألف وهو كتاب الأحدية] [كتاب العظمة] [كتاب الباء] [كتاب الياء وهو كتاب الهو] [كتاب الحروف الدورية: الميم والواو والنون] [رسالة إلى الشيخ فخر الدين الرازي] [الإسفار عن نتائج الأسفار] [كتاب الشاهد] [الحكم الحاتمية] [الفناء في المشاهدة] [القسم الإلهي] [أيام الشأن] [كتاب القربة] [منزل القطب ومقاله وحاله] [منزل المنازل الفهوانية] [المدخل إلى المقصد الأسمى في الإشارات] [الجلال والجمال] [ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا] [رسالة المضادة بين الظاهر والباطن] [رسالة الانتصار] [سؤال اسمعيل بن سودكين] [كتاب المسائل] [كتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام]

شروحات ومختصرات لكتاب الفتوحات المكية:

[اليواقيت والجواهر، للشعراني] [الكبريت الأحمر، للشعراني] [أنفس الواردات، لعبد اللّه البسنوي] [شرح مشكلات الفتوحات، لعبد الكريم الجيلي] [المواقف للأمير عبد القادر الجزائري] [المعجم الصوفي - الحكمة في حدود الكلمة]

شروح وتعليقات على كتاب فصوص الحكم:

[متن فصوص الحكم] [نقش فصوص الحكم] [كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح فصوص الحكم] [كتاب شرح فصوص الحكم] [كتاب جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص] [شرح الكتاب فصوص الحكم] [كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم] [كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح ا فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي] [كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص] [تعليقات على فصوص الحكم] [شرح كلمات فصوص الحكم] [المفاتيح الوجودية والقرآنیة لفصوص حكم]

بعض الكتب الأخرى:

[كتاب الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى الترمذي] [الرسالة القشيرية] [قواعد التصوف] [كتاب شمس المغرب]

بعض الكتب الأخرى التي لم يتم تنسيقها:

[الكتب] [النصوص] [الإسفار عن رسالة الأنوار] [السبجة السوداء] [تنبيه الغبي] [تنبيهات] [الإنسان الكامل] [تهذيب الأخلاق] [نفائس العرفان] [الخلوة المطلقة] [التوجه الأتم] [الموعظة الحسنة] [شجرة الكون]



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!