موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية

*** يرجى الملاحظة أن بعض هذه الكتب غير محققة والنصوص غير مدققة ***

كتاب منزل القطب ومقاله وحاله

للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

بِسْمِ الله اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ

وصلى الله على النبى وآله وسلم تسليما

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا.

اعلموا وفقكم الله ان الله جل ثناؤه وتقدست اسماؤه جعل منزل القطب من الحضرة منزل السر وهجيره من الاسماء الا له ثم جعل منزل الامام الذى عن يسار القطب منزل الجلال والانس وله الاسم الرب فله صلاح العالم والنبات وعنده سر البعدية وبيده المقاليد وهو السيد الطاهر فى العالم وهو سيف الامام القطب ثم جعل منزل الامام الذى عن يمين القطب منزل الجمال والهيبة وله الملك والسلطان بالمقام لا بالفعل وبيده مقاليد عالم الارواح المجردين عن الصور المسخرين وكيف هيأتهم فى الحضرة الالهية ان القطب وجه بلا قفاء

قال صلى الله عليه وسلم انى اراكم من وراء ظهرى فاثبت الظهر حكما على المادة ونفى حقيقته بوجود النظر منه وجعل الوراء اثباتا لفقدهم وجعل امام اليسار ذا وجهين وجه مركب وهو ما يقابل به العالم ووجه بسيط وهو ما يقابل به القطب وجعل امام اليمين ذا وجه واحد واقفا ثم غيبه عن الشعور بقفاه فلو سئل لقال انه وجه بلا قفاء وقد بينا منزل الامامين فى الفلك القلبى من كتاب مواقع النجوم ونحن نتكلم ان شاء الله فى هذا الباب على منزل القطب والامامين بما يليق من هذا الكتاب.

منزل القطب ومقامه وحاله

القطب مركز الدائرة ومحيطها ومرآة الحق، عليه مدار العالم له رقائق ممتدة الى جميع قلوب الخلائق بالخير والشر على حد واحد لا يترجح واحد على صاحبه وهو عنده لا خير ولا شر ولكن وجود ويظهر كونها خيرا وشرا فى المحل القابل لها بحكم الوضع عند اهل السنة وبالعرض والعقل عند بعض العقلاء قال تعالى (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها) وضعا صحيحا من سر الآلهى ثم ظهرت الجنة والنار وجميع النسبة فى الوجود نظير الحضرة الذاتية الآلهية ومنها قوله تعالى والله باسم الذات الجامع يقبض ويبسط وبيده المنع والعطاء وعلى التحقيق الذى لاخفاء به عند المحققين ان ما ثم منع البتة بل عطاء سرمد لا ينقطع وفيض دائم وانما المنع فى الوجوب الالهى الذى اطلق عليه لأمرين، الواحد ان المعطون ليس من حقائقهم ان يقبلوا العطايا كلها فى الزمن الواحد لكن يقبلوا بعضها فعدم القبول للبعض سميناه منعا الهيا اذ قضية العقل عند من يعتدبهم عقولهم يعطى ان لو شاء لأعطى الممنوع الممنوع له فى الزمن الذى منعه اياه وهذا صحيح ولكن لو حرف مشوم ما اقترن قط الا بما لا يكون قال تعالى (لَوْ أَرادَ الله أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً) (لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) (لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها.)

واما الأمر الذى لاجله سمى مانعا وليس بمانع وذلك ان العقول تقصر عن درك بعض ماهيات الموجودات فان الحدود الذاتية عسيرة المنال واكثر العقول انما تعرف الاشياء بالحدود الرسمية واللفظية فافاض الحق جوده على الاشياء فيضا مطلقا كفيض الشمس نورها على الأرض للمبصرين فاختلف القبول لاختلاف المجال لا ان النور مختلف ولكن قبول الاجسام الصقيلة له ليس كقبول الاجسام الدرنة.

واما من هو فى كن فليس له الاضد النور وهو عطاء ايضا فيصف المنع هذا المحروم الممنوع للحق وهو الذى حجب نفسه اما بحقيقته واما بعرض مثل الفعل والكن والران والضد او غير ذلك من العوارض التى يمكن زوالها ولكنه مدركه لحجبها ادراكا صحيحا ولسوقها الى غير حجبها سميت ممنوعة مما تشوقت اليه فمنزل القطب حضرة الايجاد الصرف فهو الخلفية ومقامه تنفيذ الامر وتصريف الحكم وحاله الحالة العامية لا يتقيد بحاله تخصيص فانه الستر العام فى الوجود وبيده خزائن الجود والحق له متجل على الدوام.

ولهذا قال الصديق ما رأيت شيئا الا رأيت الله قبله وله من من البلاد مكة ولو سكن حيث ما سكن بجسمه فانه محله مكة ليس الا ولابد لكل قطب عند ما يلى مرتبة القطبية ان يبايعه كل سر وحيوان وجماد ما عدا الانس والجان الا القليل منهم فقد صنفنا فى هذه البيعة وكيفية انعقادها كتابا كبيرا سميناه كتاب مبايعة القطب فى حضرة القرب. فالاسرار اليه منصة اذا كان المحبوب يعرفه كل شىء فكيف القطب الذى توقفت عليه حوائج العالم من اوله الى آخره

قال عليه السلام اذا أحب الله عبدا اخبر به حملة العرش وامر جبريل ان ينادى فى السموات باسم ذلك العبد حتى يعرفوه ويحبوه ثم يوضع له القبول فى الارض ولهذا رأيت من رأى الحية العظيمة التى طوق الله بها جبل قاف المحيط بالارض وقد اجتمع راسها مع ذبنها فسلم عليها فردت عليه السلام ثم سألته عن الشيخ ابى مدين الكائن بجابية من بلاد المغرب فقال لها وانى لك بمعرفة ابى مدين فقالت وهل على وجه الارض احد لا يعرفه ان الله تعالى منذ وضع اسمه على الارض ما بقى منا احد الا عرفه هذا حال المحبوب فكيف حال القطب الذى هذا المحبوب حسنة من حسناته وبه صلاح العالم واليه ينظر الحق فى الوجود ونرجو ان شاء الله عن قريب يظهر عنه للخاص والعام فالزموا طريقته وعضوا عليه بالنواجذ.

وسأل بعض العارفين عارفا آخر وانا حاضر بمدينة فاس عن شخص الوقت هل هو الآن موجود أم لا فقال المسؤل لا ولكنه ينتظر فعرفنا قصوره وقلت ما عنده من معرفة سر الله المبثوث فى العالم شىء فلو علم ان القطب صاحب الوقت ما من يهودى ولا نصرانى ولا نحلة من النحل وملة من الملل الا ونفسها صبه اليه محبة فيه للسر المودع عنده وانما تنكر الاشخاص للجنسية وهى الفتنة الالهية قال تعالى (ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً) وقال (لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً) (وما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا) وقال (يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ) فهم ينظرون ظاهره انكارا يؤدى الى الموت وهم يعشقونه باسرارهم ولكن ليس لهم علم بان هذا الشخص المطرود هو الذى عنده السر الذى تعشقوا به، ولهذا

كان عليه السلام يقول اللهم أهد قومى فانهم لا يعلمون ، وهكذا يقول المحمدى مناحين قال من نزل عن هذه المرتبة (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكافِرِينَ دَيّاراً) وهكذا يقول من ورث غير المحمدى منافا لقطب يتعجب ممن يقاتله عليه فان السر الذى قاتل الكفار عليه الانبياء وذبوا عنه هو الذى جاءت به الانبياء واتصفت به فلما كان الظاهر ضيقا لانه طرف قرن الصور انضغط العالم فيه فحارت الاسرار لذلك الانضغاط فلو انفسحت انفساح الملائكة لنظرت الى الحق وهى مشتركة فالاقطاب متفاضلون فى هذه المرتبة قال تعالى (تِلْكَ اَلرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) فاكمل الاقطاب المحمدى وكل من نزل عنه فعلى قدر من ورث فمنهم عيسويون وموسويون وابراهيميون ويوسفيون ونوحيون وكل قطب ينزل على حد من ورثة من الانبياء والكل فى مشكاة محمد عليه السلام الامر الجامع للكل وهم المتفاضلون فى المعارف غير المتفاضلين فى نفس القطبية وتدبير الوجود فان هذه الدورة المحمدية الذى الولى فيها بنى ليست مثل الدورة الترابية فان الدورة الترابية كان يوجد فى الزمان الواحد نبيين وثلاثة واكثر، كل شخص لطائفة مخصوصة كابراهيم ولوط فى وقت واحد فى تلك الدورة تقتضى ذلك بحقيقتها وهذه الدورة العلوية المحمدية ليست كذلك فان الزمان قد استدار كأوله ولهذا قال عليه السلام لو كان موسى حيا ما وسعه الا ان يتبعنى وقال اذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما فليس الحكم كالحكم ولا الدورة كالدورة وقد تقدم الكلام فى استدارة الزمان من هذا الكتاب ولهذا قال عليه السلام ان عيسى وان كان نبيا فانه يؤمنا منا لامته ويكون من جملة اولياء هذه الامة فقد جمع صلى الله عليه وسلم بين النبوة فى دورته والولاية فى دورتنا فله حشران.

فاذا قلت فيه ولى فالصديق خلفه وغيره واذا قلت عليه السلام انه نبى رسول فالصديق امامه وغيره فما اعجب معرفة الحقائق وهكذا الناس وكل رسول ادرك محمدا بهذه المثابة ولهذا قال (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ) فكانا للناس مثل النبى للناس (وكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) اى خيارا لتكونوا شهداء على الناس (ويَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) فجعل حكمنا ومنزلتنا فى غيرنا من الامم منزلة الرسول منا فنحن فى حقهم رسل ولهذا قال عليه السلام علماء هذه الأمة انبياء سائر الامم فى هذه المنزلة والمرتبة وكما يحشر كل نبى مع امته كذلك يحشر كل قطب مع اهل زمانه صالحيهم وطالحيهم واعجب ما عندنا من العناية الالهية التى صحت لنا بمحمد صلى الله عليه وسلم ان الرسول يحشر جرى الحكم لاقترانه بطائفة مخصوصة والقطب منا ليس كذلك فانه عام جامع لكل من فى زمانه من بروفاجر وان كان ورثه عيسويا أو موسويا فلا يقدح ذلك فيه فانه من مشكاة محمدية فله المقام الاعم وقد نبه عليه صلى الله عليه وسلم فقال عن طائفة ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون للبركة المحمدية التى نالتهم من المقام الاعم وسيأتى ان شاء الله من هذا الكتاب ابواب كثيرة من احوال الاقطاب وتفاضلهم فى المنازل مستوفى ان شاء الله تعالى، وبين ايدينا اليوم تلميذ يخدمنا ارجو ان يكون منهم من اكابرهم وقد بشرنا بذلك وأما مناجاة هذا المنزل المبارك فانا اذكرها وحينئذ اذكر منزل الامامين ان شاء الله من هذا الباب.

مناجاة هذا المنزل المحمدية

بِسْمِ الله اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ تلك تممية الولهان لطارق الانس والجان، فقل اعوذ بالاله الملك الرب من شر ما يغرا فى القلب، حاك فى الصدور، محدثات الامور وسمة القلوب فى طلب الغيوب بالسر الموهوب ذلكم حكم الله يحكم بينكم، يا ايها الناس انتم ثلاثة اطباق هلال الطبقتين فى محاق وشمس الواحد فى اشراق ان ربك هو الخلاق العليم، يصلح العالم بعلمه ويؤتى الملك بحكمه وينفرد الوسط وان تأخر فى المسطور بسر نظمه ان حكيم عليم سر الغيب والشهادة علم فى رأسه نار يضىء للبصائر السليمة والابصار، فالله يعلم ما يسرون وما يعلنون من جاء ثم حبس لم يزل فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ والله عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ، ختمت اللهم بحق ابراهيم واسمعيل واسحاق ومحمد والحسن والحسين صلى الله عليهم اجمعيهم الا ما شفيت صاحب هذه الاسماء وحاملها من كل داء وعصمته من شر كل شر يهجس فى النفس وتجرى به الرياح.

منزل الامام الاكمل

الذى على يسار القطب بينه وبين منزل الاتحاد ان يموت القطب فينتقل السر اليه فان الاتحاد للقطب فان الامام قد يموت فى امامته ويلى مكانه الامام وينتقل واحد من الاربعة الى مكانه الامام الآخر وهكذا يتفق فى الامام الآخر ولهذا الامام المسمى برب العالم وهو عبد الرب.

فما قاتلوا عن ربهم وربيبهم ولا آذنوا جارا فيظعن سالما
فعبد الا له هو القطب وليس عند الله احد البتة وهذا الامام عبد الرب والامام الآخر عبد الملك واسماء بقية العبيد على حسب مقاماتهم فلهذا الامام معرفة سر الأسرار وله التدبير الالهى وله فى العدد اسرار الالهية لا يعرفها غيره ويختص هذا الامام بعلم الصنعة المعشوقة ويعلم خواص الاحجار وهى عنده مكتمة وربما قد يحصل له من معرفة اسماء الانفعالات ما يكون منها حقيقيا وله فى المحاربات والمكائد امر عجيب وهو على النصف من عمره مع العالم وعلى النصف مع القطب أو الحق المخلوق على السواء الى ان ينتقل الى القطبية أو يموت وقد تظهر صولته فى عالم الكون بالسيف وقد تظهر بالهمة على حسب ما سبق له فى الأزل وهذا الامام عنه تظهر اسرار المعاملات على هذه الهياكل الترابية وله خمسة اسرار، سر الثبات به يعلم حقائق الأمور وبه يدبر ويفصل ويولد ويزوج ويعبر على سر الرموزات وفك الطلسمات واصول الاشياء الظاهرة والباطنية والحقيقية وغير الحقيقة وله خرق السفينة وله اقامة الجدار وليس له قتل الغلام من حاله وكشفه فان قتله يوما ما فعن امر القطب.

واما السر الثانى من الخمسة فهو سر التمليك به يرحم الضعفاء وينجى الغرقى ويكسب المعدوم ويقوى الضعيف ويحمل الكل ويعين على نوائب الحق ويجود على من اساء ويعفو عن الجرائم ويصفح ويقيل العثرات ويجمع بين المتعاشقين والوالدة وولدها وهو يطوى الطريق على القاصدين لما اشتاقوا اليه وما اعطته الحقيقة الرحمانية على عمومها من هذا السر ينبعث ظهوره فى الوجود.

واما السر الثالث فهو سر السيادة وبه يفتخر ويبدى حقيقته ويقول

انا سيد ولد آدم وانى انا الله لا اله الا انا وسبحانى وما فى الجبة الا الله وما اعطته الحقيقة التى تظهر مكانته ورفعته فمن هذا السر.

واما السر الرابع فهو سر الصلاح وعن هذا السر الذى له يحمل الخلق على المكاره التى فيها نجاتهم وتجنبهم عن الملذوذات التى فيها هلاكهم وبهذا السر يحول بين الولد ووالدته وبين المتعاشقين وان تحابا واجتمعا لله وفى الله ويسعى فى تفريق الشمل بين المخلوقات فان هذا السر يعطيه بحقيقته ان الاشياء القلبية لم يخلق بعضها لبعض ولا يغيرها الا الله فهو يردها الى مقام التفريد الى الله وهو الذى اريدت له ولذلك قال (وما خَلَقْتُ اَلْجِنَّ واَلْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ) اى ليعرفون ولم يقل وما خلقت الجن والانس الا ليأنس بعضهم ببعض ولا يتعشق بعضهم ببعض ولا يتعرف بعضهم اسرار بعض وانما خلق المكلف من اجله فلا ينظر الى غيره فبهذا السر يقطع الامام القلوب عن غير الله ويردها الى الله وما من حالة من هذه الاحوال الا والناس يجدونها فى نفوسهم ولا يعرفون من اين تنبعث ومعدنها قلب هذا الامام فهو فى حكمه على حسب السر الذى يقوم فى حق الشخص المنظور اليه مما سبق فى علم الله منه فيقيم السر فى قلب الامام على ذلك وما اعطته الحقيقة التى فيها صلاح الخلق عن هذا السر ينبعث.

واما السر الخامس فهو سر التعدية وبه ينزل المطر ويدر الضرع ويطيب الزرع وتحدث الشهوات وتنضج الفواكه وتعذب المياه وبه تكون القوة تسرى فى اهل المجاهدات والمحاضرت حتى يواصلون الايام الكثيرة من غير مشقة والسنين العديدة من غير التفات ولا ضرر وله تمد الحقيقة الابراهمية والميكالية والمحمدية والاسرافيلية والجبريلية والآدمية والرضوانية والمالكية فان مدار بقاء العالم على هذه الثمانية وسر بقاء العالم غذاؤه ولهذا الجوهر غذاؤه تجديد اغراضه على الدوام والتألى فمهما عرى عنه زمنا فردا عدمت عينه وبهذا السر غذاء الاغذية وقد ذكرناه فى مواقع النجوم فى بعض النسخ لانا استدركناه فى الكتاب وقد خرجت منه نسخ فى العالم وما اعطته الحقيقة التى بها بقاء العالم ظاهرا وباطنا جسما وروحا ونفسا فعن هذا السر ينبعث فهذه خمسة اسرار يختص بها هذا الامام واسمه عبد الرب.

وفى هذا المقام عاش الشيخ ابو مدين بتجانة الى ان قرب موته بساعة او ساعتين خلعت عليه خلعة القطبية ونزعت عنه خلعة هذا الامامة وصار اسمه عبد الاله وانتقلت خلعته باسم عبد الرب الى رجل ببغداد اسمه عبد الوهاب وكان الشيخ ابو مدين قد تطاول له بها رجل من بلاد خراسان مات الشيخ قطبا كبيرا وكان له من القرآن تبارك الذى بيده الملك وسيأتى الكلام على حاله عند ذكر ابواب الاقطاب من آخر الكتاب.

منزل الامام الروحانى

الذى على يمين القطب اعلموا ان هذا الامام صاحب حال لا صاحب مقام مشتغل بنفسه من جهة مالكه واسمه عبد الملك واضافته الى الخلق اضافة غير محضة متمكن القدم فى الروحانية له علم السماء وليس عنده من علم الارض خبر للملأ الاعلى به تعشق وله نشوف اكثر من الامام الأول لقوة المناسبة وليس عنده سر الا منهم ولذلك هو غير مخلص فانهم رضى الله عنهم على ضربين محمول وغير محمول فالاول قائم بنفسه غير محمول وهذا محمول غير قائم واقف خلف حجب السبحات يرى نفسه وربه على حكم ربه لا على حكم نفسه بخلاف من نزل عن مرتبته فانه يرى ربه على حكم نفسه واوقاته مشغولة بما هو فيه فهو للقطب مرآة والآخر للقطب محل ومرآة.

وان كان الأول حظه اللوح والقلم الأعلى فحظ هذا الثانى الالقاء بما يناسب العلو وله سر ان سر العبودية وسر السيادة فبسر العبودية هو يسبح الليل والنهار لا يفتر فالتحق بالعباد المكرمين غير ان المقام فيه امر سفلى فان الاعداء نطقوا بانهم جَعَلُوا اَلْمَلائِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبادُ اَلرَّحْمنِ إِناثاً فاضافتهم الى الرحمن اضافة محضة خالصة ولهذا انسحب عليهم اسم الانوثية فلو كانوا عباد الاله لغلبت عليهم الذكورية وعبد الملك من عباد الرحمن ولذلك هو منكحه للروحانيين تلقى اليه وتنزل فيه ولا يلقى الى احد ولا ينزل فى احد فالاسرار والمعارف والعالم العلوى ينكحه وهو لا ينكح احدا.

وكذلك كل روحانى من الملأ الاعلى اذا لم يكن لهم فى العالم السفلى اثر فهم منكوحون غير ناكحين ومن كان منهم له عندنا اثر فهو منكوح وناكح فغلب عليه التنكير لانه الاسبق والاشرف تقول العرب الفواطم وزيد خرجوا ولم تقل خرجن وان كان التذكير واحدا والفواطم جماعة فالتغليب للذكر فتفهم هذا فانها اشارة لطيفة دقيقة فعبد الملك مؤنث علوى صحيح الحال سعيد فارغ من الكون واقف بين يدى الحق وهو كان الغالب من حال صاحب محمد بن على بن عبد الجبار النفزى صاحب المواقف فهذا قد ثبت فى هذا الباب وقد تقدم الكلام فى اول الكتاب على القطب وحقيقته ومنسبه ومصدره وانه واحدا على سر القطبية فانظره هناك.

محاضرة قطبية

فى حضرة--عينية كنت ببلاد المغرب بمدينة فاس وقد انست من نفسى بعض ايناس بما استمرنت عليه من العوائد وذهلت فى ذلك الحين عن مشاهدة المشاهدة فتنبهت فاذا بالكون قد اخذ بخناقى وشد اسرى ووثاقى واحاطت بى ذنوب الحجاب فقمت قائما خلف الباب طورا أقرع وطورا أتسمع فاذا بالباب قد فتح ففرح صدرى وشرح واذا بالقطب واقف فتبسم وقال ما يريد العارف فقلت لى الى ملائنا العلوى ارتياح لصفات ظهرت علينا قباح وانا قد وقفت من سرى على ما يكون من امرى وانما غرضى لذة الحال واحد فى الترحال.

وقد نظر فى الملأ الاعلى بعين السخرية والازدراء فقال اكتب عنى ما يبدو لك منى فما زلت انظر اليه والاسرار ترد علينا وما يريده القطب ماثل بين ايدينا فانشدته عنه فى ذلك المشهد العينى والسر الربى فكأنى بلسانه اتكلم وعن ضميره اترجم حتى اتيت على آخر النظم فامرنى بالكتم فكتبت الكتاب وسارت به الهمة على براق الصدق الى ان حطت بالاحباب فعرفوا مقدارهم.

فصل

قال يوسف بن الحسين سمعت ذا النون المصرى يقول لبعض من يزور أبا يزيد قل لأبى يزيد الى متى هذا النوم والراحة وقد جازت القافلة قال فخرج الرجل قاصدا لأبى يزيد وسلم عليه وقال له ذو النون المصرى يقرئك السلام ويقول لك الى متى هذا النوم والراحة وقد سارت القافلة فقال ابو يزيد قل لاخى ذى النون ان الرجل كل الرجل من ينام الليل كله فاذا اصبح اصبح آمنا فى المنزل قبل نزول القافلة.

قال فرجع الرجل الى ذى النون فاخبره فقال هذا كلام لا تبلغه احوالنا هنيئا له هذا المنزل منزل عال شريف فيه اسرار عجيبة ومعان لطيفة القائم بهذا المنزل عبد الرب وهو الامام الاكمل الذى تقدم فيه سر الصباح والظلام والذحول والنمائم والرموز والتحاسد سلوك اهل الطريق الى الحق على طريقين طريق يسلكونها بانفسهم وهو قوله من عرف نفسه عرف ربه وطريق يسلك بهم عليها وهذه حالة المرادين المنقطعين والاولى حالة المريدين والمنقطعين ومع هذا فكلا الفريقين سالك وان سلك به ومثالهما فى السفر الحسى سلوك المشاة فى قطع المفازات وسلوك راكبى البحر ولهذا شبه بعضهم سير العمر بالانسان براكب البحر قال قائلهم.

فسيرك يا هذا كسير سفينة بقوم قعود والقلاع تطير
فيظهر من كلام ابى يزيد انه يريد هذا السفر بقوله اصبح آمنا فى المنزل قبل نزول القافلة فدل كلامه على انه طالب ما طلبت القافلة فزاد عليهم بالراحة والنعيم مثل الفقراء مع الاغنياء بنصف اليوم الذين يختصون به فى نعيم الجنة ثم تقع الشركة بعد ذلك هذا هو الظاهر من كلام ابى يزيد ولكن له عندنا مدرك رفيع خلاف هذا مذكور فى شرح احواله فى الكتاب الذى سميناه مفتاح اقفال الهام التوحيد فلينظر هناك ثم نرجع ونقول قال الله تعالى (سُبْحانَ اَلَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ) وقال (ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ما كَذَبَ اَلْفُؤادُ ما رَأى) وقال ما وسعنى ارضى ولا سمائى وقد وسعنى قلب عبدى وهذه بحور لا سواحل لها ولكن لا بد لنا ان نظهر منها قدر ما يليق بهذا الكتاب حتى نستوفيها على مقتضى ما تعطيه مرتبة هذا الكون ان شاء الله فاعلم ان القلوب التى اعتنى الله بها على ضربين قلوب غلب عليها الشوق وقلوب لم يغلب عليها الشوق فالقلوب التى لا شوق لها وصلت الى شاهد علمها بسير من انواع المعاملات وقنعت واطمأنت ولذا قيل للمطمئنة ارجعى الى ربك واين هذا المقام من قوله الم تر الى ربك ثم سدل الحجاب فقال كيف مد الظل فرده اليه فواحد يدعوه من نفسه الأضعف والأقوى والأكبر والأصغر والأعلى والأسفل والأشرف والاوضع، وجهان وجه يجتمع به مع ضده يدل على الله ووجه ينفرد به كل واحد عن صاحبه يدل به أيضا على العلم بالله فالطرق وان تنوعت وتشعبت فكلها منه ابنعثت واليه تعود كالخطوط الخارجة من نقطة الدائرة الى المحيط.

فاذا تقرر هذا وتبين تشعب الطرق اليه فاعلم ايضا ان له جل وعلا لكل طريق وجه لا يشبه الوجه الآخر كما لا يشبه الطريق الطريق فاختلفت اذن المعارف ولا تقول تضادت فصار كل متكلم عن الله بعد مشاهدة كانت منه اليه انما ينطق عن حقيقة وقد خالف طريق صاحبه فاختلفت المشاهدة فتنوع المشهود فتنوعت العبارة فوقع الانكار عند السامع المحجوب الذى ليس له مدخل فى هذه الحقائق فسمع محققين قد اختلفا وكلاهما يقول ان الله اريد بما اقول فيحمل السامع كلاهما على الجهل ويقول لابد ان يكون الحق عند احدهما.

وليس عندهما حق على حسب ما تعطيه القسمة فى الانتشار أو الانحصار وكلاهما مصيب لا محالة عند المحقق العارف بالحضرة الالهية فاذا ثبت هذا فقد تبين ان السارى الى الحق والنائم فى المنزل كلاهما سار وكلاهما عند الصباح واصل غير ان المشاهدة اختلفت اذ ليس طريق النوم طريق التعب كان عليه السلام يحمد على السراء بالمنعم المفضل وعلى الضراء يعلى كل حال والمحمود واحد من حيث الذات والمحمود مختلف من حيث الصفات والاسماء فان الاسماء التى عينها تكون الذات ليست الصفة التى عينها تكون الالآم فلا وجود للصفات الا بالذات فلا معنى للذات الا بالصفات والاسماء فاذا بالجملة يسلم لمن قال الحمد لله الراحم ويسلم لمن قال الرحمن ولهذا حق يرجع اليه فالامر دقيق يعسر على الافهام فابو يزيد نام عاشقا فاستيقظ ومحبوبه عند رأسه التى تطلبه القافلة والقافلة اصبجت فحطت عند مطلوبها فى الوقت الذى استيقظ فيه ابو يزيد برفيقتين صحيحتين مختلفتين متماثلتين.

وقد ذكرنا هذا المقام مرموزا فى كتاب عنقاء مغرب فى مرجانة.

حم عسق مناجاة هذا المنزل

بِسْمِ الله اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ رد لك حجاب الحق من طوارق الخلق وتمام الطواسم من سر الطلاسم اذا انفجر الصبح ودخل القمر فى صورة الفتح فتعوذوا بالله من شره واسألوا ان يدرأ عنكم اليك ضيره وهو اللطيف الخبير ختمت فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

انتهى الكتاب والحمد لله رب العالمين .


بعض كتب الشيخ الأكبر

[كتاب الجلالة وهو اسم الله] [التجليات الإلهية وشرحها: كشف الغايات] [ترجمان الأشواق وشرحه: الذخائر والأعلاق] [مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم] [التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية] [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب] [كتاب كلام العبادلة] [كتاب إنشاء الدوائر والجداول] [كتاب كنه ما لابد للمريد منه] [الإسرا إلى المقام الأسرى] [كتاب عقلة المستوفز] [كتاب اصطلاح الصوفية] [تاج التراجم في إشارات العلم ولطائف الفهم] [كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل] [الوصية إلى العلوم الذوقية والمعارف الكشفية ] [إشارات في تفسير القرآن الكريم] [الفتوحات المكية] [فصوص الحكم] [رسالة روح القدس في مناصحة النفس] [كتاب الأزل - ثمانية وثلاثين] [أسرار أبواب الفتوحات] [رسالة فهرست المصنفات] [الإجازة إلى الملك المظفر] [محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار] [رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار] [حلية الأبدال وما يظهر عنها من المعارف والأحوال] [كتاب الألف وهو كتاب الأحدية] [كتاب العظمة] [كتاب الباء] [كتاب الياء وهو كتاب الهو] [كتاب الحروف الدورية: الميم والواو والنون] [رسالة إلى الشيخ فخر الدين الرازي] [الإسفار عن نتائج الأسفار] [كتاب الشاهد] [الحكم الحاتمية] [الفناء في المشاهدة] [القسم الإلهي] [أيام الشأن] [كتاب القربة] [منزل القطب ومقاله وحاله] [منزل المنازل الفهوانية] [المدخل إلى المقصد الأسمى في الإشارات] [الجلال والجمال] [ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا] [رسالة المضادة بين الظاهر والباطن] [رسالة الانتصار] [سؤال اسمعيل بن سودكين] [كتاب المسائل] [كتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام]

شروحات ومختصرات لكتاب الفتوحات المكية:

[اليواقيت والجواهر، للشعراني] [الكبريت الأحمر، للشعراني] [أنفس الواردات، لعبد اللّه البسنوي] [شرح مشكلات الفتوحات، لعبد الكريم الجيلي] [المواقف للأمير عبد القادر الجزائري] [المعجم الصوفي - الحكمة في حدود الكلمة]

شروح وتعليقات على كتاب فصوص الحكم:

[متن فصوص الحكم] [نقش فصوص الحكم] [كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح فصوص الحكم] [كتاب شرح فصوص الحكم] [كتاب جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص] [شرح الكتاب فصوص الحكم] [كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم] [كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح ا فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي] [كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص] [تعليقات على فصوص الحكم] [شرح كلمات فصوص الحكم] [المفاتيح الوجودية والقرآنیة لفصوص حكم]

بعض الكتب الأخرى:

[كتاب الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى الترمذي] [الرسالة القشيرية] [قواعد التصوف] [كتاب شمس المغرب]

بعض الكتب الأخرى التي لم يتم تنسيقها:

[الكتب] [النصوص] [الإسفار عن رسالة الأنوار] [السبجة السوداء] [تنبيه الغبي] [تنبيهات] [الإنسان الكامل] [تهذيب الأخلاق] [نفائس العرفان] [الخلوة المطلقة] [التوجه الأتم] [الموعظة الحسنة] [شجرة الكون]



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!