موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية

*** يرجى الملاحظة أن بعض هذه الكتب غير محققة والنصوص غير مدققة ***

الموعظة الحسنة

للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين . . .

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وسصحبه أجمعين .

قال الشيخ الأكبر : محي الدين بن العربي الحاتمي الطائي الأندلسي ( قدس سره العزيز ) : هذا جزء سميته :

الموعظة الحسنة : قيدت فيه طرفا من مواعظ اللّه تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام ، والفضلاء العاملين من عباده : طلبا للمثوبة من الواهب سبحانه وتعالى :

فمن ذلك ما روى أن اللّه تعالى قال :

“ يا بن آدم : خيري إليك نازل ، وشرك إلي صاعد ، وأنا أتحبب إليك بالنعم ، وأنت تتبغض إلي بالمعاصي .

في كل يوم يأتيني ملك كريم بقبيح فعلك .

يا بن آدم : ما تراقبني ، أما تعلم أنك بعيني .

“ 78 “

يا بن آدم : في خلواتك وعند شهواتك اذكرني وسلني أن أنزعها من قلبك ، وأعصمك عن معصيتي ، وأبغضها إليك ، وأيسر لك طاعتي ، وأحببها إليك ، واذكي ذلك في عينيك .

يا بن آدم : أمرتك ونهيتك لتستعين بي وتعتصم بحبلي ، لئلا تعصيني وتنبو “ 1 “ عني غأعرض عنك .

أنا الغني ، وأنت الفقير إلي .

إنما خلقت الدنيا وسخرتها لك “ 2 “ ، لتستعد للقائي ، وتتزود منها لئلا تعرض عني ، وتخلد إلى الأرض .

أعلم بأن الدار الآخرة خير لك من الدنيا ، فلا تختر غير ما اخترت لك ، ولا تكره لقائي ، فإن من كره لقائي كرهت لقاءه ، ومن أحب لقائي أحببت لقاءه “ “ 3 “ .

وقال بعض العلماء :

تزود من الدنيا للآخرة ، وطريقها “ 4 “ - فإن خير الزاد التقوى - .

وسارع إلى الخيرات ، ونافس في الدرجات قبل فناء العمر وتقارب الأجل .

وقال بعضهم :

“ إيّاكم ومجالسة أقوام يتكلفون بينهم زخرف القول غرورا ، أو يتملقون في الكلام : خداعا ، وقلوبهم مملوءة غشا ، وغلا ، وحسدا ،

..............................................................

( 1 ) في المخطوطة “ وتنوتي عني “ ولا معنى لها .

( 2 ) لقوله تعالى : خلق لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً .

( 3 ) للحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم ، والإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي عن السيدة عائشة ، وعن سيدنا عبادة بن الصامت ( رضي اللّه عنهما وأرضاهما ) : “ من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه “ .

( 4 ) يعني : وطريق الآخرة في هذه الآية .

وكبرا ، وحرصا ، وطمعا ، وبغضا ، وعداوة ، ومكرا ، وخيلاء : دينهم التعصب ، واعتقادهم النفاق ، وأعمالهم الرياء ، واختبارهم شهوات الدنيا ، يتمنون الخلود فيها ، مع علمهم بأنهم لا سبيل لهم إلى ذلك ، و “ يجمعون ما لا يأكلون ، ويبنون ما لا يسكنون ، ويؤملون ما لا يدركون “ ويكسبون الحرام وينفقون في المعاصي ، ويمنعون المعروف ، ويركبون المنكر .

قال عيسى : “ يا بني إسرائيل : أعلموا أن مثل دنياكم مع آخرتكم كمثل مشرقكم مع مغربكم ، كلما أقبلتم إلى المشرق بعدتم من المغرب ، وكلما أقبلتم إلى المغرب بعدتم من المشرق “ .

وقال بعضهم لقوم يتردون ، في طغيانهم يعمهون ، ولا يسمعون النداء ولا يجيبون الدعاء ، مولعين “ 1 “ مدبرين عن الآخرة معرضين ، وعلى الأعقاب ناكسين ، وعلى الدنيا مقبلين متكالبين تكالب الكلاب على الجيف ، منهمكين في الشهوات ، تاركين للصلوات ، لا يسمعون الموعظة ، ولا تنفعهم التذكرة ، فلا جرم إنهم مهملون قليلا ، ويتمتعون يسيرا ، ثم تجيئهم سكرة الموت بالحق .

ذلك ما كانوا منه يحبدون - شاءوا أو أبو ، فيفارقون محبوباتهم على رغم منهم ، ويتركون ما جمعوا لغيرهم ، يتمتعون إلى أخذهم :

حليل زوجته “ 2 “ ، وامرأة ابنه .

وبعل ابنته .

وصاحب ( مبراته ) “ 3 “ . . .

......................................

( 1 ) مولعين بعدم إجابة الدعاء إلى طاعة اللّه تعالى .

( 2 ) هكذا هي في المخطوطة ، ولعله يقصد أن امرأته ستتزوج بعده ، ويتمتع بماله زوجها ، وابنه سيرثه كذلك ، وتتمتع بميراثه امرأته وأولاده ، وزوج ابنته كذلك سيتمتع بهذا المال ، وهكذا .

( 3 ) هي هكذا في المخطوطة وهو القائم على أمور صدقاته إن كان غنيا .

لهم المهنا ، وعليه الوبال . مثقل ظهره بأوزاره ، معذب بما كسبت يداه : يا حسرة عليه إذا قامت عليه وعلى أهله القيامة “ 1 “ “ .

ومنها : قال تعالى لبني إسرائيل :

“ رغبناكم في الآخرة فلم ترغبوا ، وزهدناكم في الدنيا فلم تزهدوا ، وخوفناكم النار فلم تخافوا ، وشوقناكم إلى الجنة فلم تشتاقوا ، وانحينا “ 2 “ ؟ عليكم فلم تبكوا : بشر القتالين إن اللّه تعالى له ساق “ 3 “ لا ينام ، وهو نار جهنم “ .

وقال عيسى عليه السلام :

“ صم عن الدنيا ، واجعل فطرك الموت ، وكن كالمداوي جرحه بالدواء خشية أن ينقض عليه ، وعليك بكثرة ذكر الموت ، فإن الموت يأتي إلى المؤمن بخير لا شر بعده ، وإلى الشرير بشر لا خير بعده “ .

وقال علي ( كرم اللّه وجهه ) :

“ الفضلاء صحبوا الدنيا بأجساد أرواحها معلقة بالمحل الأعلى “ .

ومما وجد في بعض كتب بني إسرائيل في صفة خلق آدم ، وتكوين جسده حين أبدعه اللّه عزّ وجلّ ، وأخرجه ، قال تعالى :

“ إني خلقت [ آدم ] “ 4 “ وركبت بدنه من أربعة أشياء ، ثم جعلتها وراثة في ولده وذريته ، تنشأ في أجسادهم ، وتموت عليها إلى يوم القيامة ، وذلك : إني ركبت جسده من رطب ويابس ، وسخن

.......................................................

( 1 ) في المخطوطة “ إذا قامت عليه قيامته وعلى أهله القيامة “ .

( 2 ) في المخطوطة : “ ونحنا “ ولا شك إنها من خطأ النسخ ، وفي القاموس المحيط “ وانحى له السلاح : ضربه “ وهي أقرب إلى الصواب ، واللّه تعالى أعلم .

( 3 ) هكذا هي في المخطوطة . ولعلها من قوله تعالى :وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْفإن السقي دائم لا ينقطع في جهنم .

( 4 ) ليست في المخطوطة ، ولا بد منها .

وبارد ، وذلك إني خلقته من تراب وماء ، ثم نفخت فيه نفسا وروحا ، فيبوسة جسده من قبل التراب ، ورطوبته من الماء ، وحرارته من النفس ، وبرودته من الروح “ .

ثم جعلت في الجسد بعد هذا : أربعة أنواع أخر ، هن ملاك الجسد ، لا قوام للجسد إلّا بهن ، ولا تقوم واحدة منهن إلّا بالأخرى وهن : المرة السوداء ، والمرة الصفراء ، والدم ، والبلغم .

ثم أسكنت بعضهم في بعض ، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ، ومسكن الحرارة في المرة الصفراء ، والرطوبة في الدم ، والبرودة في البلغم .

فأي جسد أعتدلت فيه هذه الأخلاط الأربعة التي جعلتها ( ملاكة ) “ 1 “ وقوامه ، وكانت كل واحدة منهن ريعا ، لا يزيد ولا ينقص : كملت صحته واعتدلت بنيته .

فإن زادت واحدة منهن على أخواتها ، وقهرتهن ومالت بهن :

دخل السقم على الجسد من نواحيهن بقدر قلتها عنهن ، وضعفت طاقتها عن مقاومتهن .

ثم علمته الطب والدواء : كيف يزيد في الناقص ، وينقص في الزوائد حتى يعتدل ويستقيم أمر الجسد .

فالطبيب الفاره “ 2 “ ، العالم بالدواء والداء : هو الذي يعلم من أين دخل السقم على الجسد ؟ أم من أين الزيادة ؟ أم من أين النقصان ؟ ويعلم الدواء الذي يعالج به ، فيزيد في ناقصها ، وينقص من زائدها ، حتى يستقيم أمر الجسد على فطرته ، ويعدل الشيء بأقرانه “ 3 “ .

...................................................

( 1 ) في المخطوطة “ ملائكة “ .

( 2 ) في المصباح “ الفاره : الحاذق بالشيء “ .

( 3 ) فتعود قوة الجسم كما كانت مستقيمة سليمة .

ثم صيرت هذه الأخلاط التي ركب عليها الجسد ، فطرة ، وأصولها عليه تبنى أخلاق بني آدم ، وبها يوصفون .

فمن التراب العزم ، ومن الماء اللين ، ومن الحرارة الحدة ، ومن البرودة : الأنانية .

فإن مالت به اليبوسة وأفرطت : كان عزم قساوة وفظاظة .

وإن مالت به الرطوبة : كان لينه : توانيا ومهانة .

وإن مالت به الحرارة : كان حدته طيشا وسفاهة .

وإن مالت به البرودة : كانت أنانيته . . . وبلادة “ 1 “ .

فإذا اعتدلت أخلاقه ، واستقام أمره ، وكان عازما في إنابته لينا في عزمه “ متهاديا “ “ 2 “ في لينه ، متأنيا في حدته ، لا يغلبه خلق من أخلاقه ، ولا يميل به طبيعة “ من طبائع أخلاقه “ “ 3 “ عن المقدار المعتدل ، من أيها شاء استكثر ، ومن أيها شاء قلّل ، وكيف شاء عدل .

ثم نفخت فيه من روحي ، وقرنت الجسد : نفسا وروحا .

فبالنفس يسمع ابن آدم ، ويبصر ، ويشم ، ويذوق ، ويلمس ، ويحس ، ويأكل ، ويشرب ، وينام ، وينتبه ، ويضحك ، ويبكي ، ويحزن .

وبالروح : يعقل ، ويفهم ، ويدري ، ويعلم ، ويستحيي ، ويحلم ، ويحذر ، ويتقدم ، ويمتع ، ويتكرم ، ويقف ، ويهيج .

........................................................

فمن النفس يكون : حدته ، وخفته ، وشهوته ، ولعبه ، ولهوه ،

( 1 ) بدل الأصفار كلمة لم نستطيع قراءتها قبل “ وبلادة “ .

( 2 ) في المخطوطة “ تهاديا “ .

( 3 ) في المخطوطة “ من طبائع من أخلاقه “ .

وضحكه ، وسفهه ، ومكره ، وخداعه ، وعنفه ، وخرقه .

ومن الروح : علمه ، ووقاره ، وعفافه ، وحياؤه ، ووفاؤه ، ويكون صدقه ، ورفعته ، وصبره .

فإذا خاف ذو اللب : أن يغلب عليه خلق من أخلاق النفس ، قابله بضده من أخلاق الروح ، وألزمه إياه ليعدله ويقومه ، فيقابل الحدة بالحلم ، والخفة بالوقار ، والشهوة بالعفاف ، واللعب بالحياء ، واللهو بالنهي ، والضحك بالعزم ، والفظاظة بالكرم ، والخداع بالصدق ، والعنف بالرفق ، والخرق بالصبر .

ومن التراب يكون : قساوته ، وبخله ، وفظاظته ، وشحه ، واياسه وقنوطه ، وعزم إصراره .

ومن الماء يكون : سهولته ، ولينه ، واسترساله ، وتكرمه ، وسماحته ، وقربه ، وقبوله ، ورجاؤه ، واستبشاره .

فإذا خاف ذو اللب أن يغلب عليه خلق من أخلاقه الترابية ، قابله بضده من الأخلاق المائية ، وألزمه إيّاه : ليعد له ، ويقومه فيقابل القسوة باللين ، والبخل بالعطاء ، والفظاظة بالكرم ، والشح بالسماحة ، واليأس بالرجاء ، والقنوط بالاستبشار ، والعزم بالقبول ، والإصرار بالتوبة .

وذكر أن بعض العارفين باللّه تعالى اجتاز مرة في بعض سياحته براهب في صومعة على رأس جبل ، فوقف بإزائه ، فناداه : يا راهب :

فأخرج الراهب رأسه من صومعته ، وقال : من ذا ؟

قال : رجل من أبناء جنسك الآدميين .

قال : فماذا تريد ؟

قال : كيف الطريق إلى اللّه تعالى ؟

قال الراهب : في خلاف الهوى .

قال : فما خير الزاد ؟

قال : التقوى .

قال : تباعدت عن الناس ، وتحصنت في هذه الصومعة “ 1 “ ؟

قال : مخافة على قلبي من “ معاشرتهم “ وحذرا على عقلي :

أجيره من سوء عشرتهم ، وطلبت راحة نفسي عن مقاساة مداراتهم “ 2 “ ، وقبيح فعالهم ، وجعلت معاملتي مع ربي ، فاسترحت منهم .

قال : فخبرني يا أحد أتباع المسيح “ 3 “ ، كيف وجدتم معاملتكم مع ربكم ، وأصدق القول لي ، ودع عنك تزويق الكلام ، وزخرف القول .

فسكت الراهب طويلا ، ثم قال :

شر معاملة تكون .

قال له : كيف ؟

قال : لأنه أمرنا بالكد للأبدان ، وجهد النفوس ، وصيام النهار ، وقيام الليل ، وترك الشهوات المركوزة في الجبلة ، ومخالفة الهوى الغالب ، ومجاهدة العدو المسلط ، والرضي ، والخشونة في العيش ، والصبر على الشدائد والبلوى .

..................................................................

( 1 ) هكذا هي المخطوطة ، وهي استفهام بالأسلوب .

( 2 ) المدارة نوع من الممارسة في الشيء ، وهي تحتاج إلى عقل رصين يحسن صاحبه كيف يتفادى الناس ولا يجاريهم في سفههم .ومن لم يمارس في أمور كثيرة * يضرس بأنياب ويوطء بمنسم( 3 ) من كان بهذه الصفة التي ذكرها ذلك الراهب : كان من أتباع المسيح عليه السلام حقا ، وليس من الشياطين والأبالسة الذين نراهم اليوم .

وسترى فيما بعد أنه أسلم بمجرد الدعوة ، لأنه العقيدة واحدة .

ومع ذلك كله : جعل الأجر بالنسبة [ في الآخرة بعد الموت ] “ 1 “ مع بعد الطريق ، وكثرت الشكوك والحيرة ، والخوف من الناس .

فهذه حالنا في معاملتنا مع ربنا ، فخبرني عنكم يا معشر أتباع أحمد ، كيف وجدتم معاملتكم مع ربكم ؟

قال له المجتاز : [ خير معاملة تكون ] “ 2 “ وأحسنها .

قال له : صف لي ما هي ؟ وكيف هي ؟

قال له المجتاز : ربنا أعطانا سلفا كثيرا قبل العمل ، ومواهب جزيلة لا تحصى فنون أنواعها من النعم ، والافضال قبل المعاملة .

فنحن لينا ونهارنا في أنواع نعمة ، وفنون من آلائه - ما بين سالف معتاد ، وآنف مستفاد - .

قال له الراهب : فكيف خصصتم بهذه المعاملة دون غيركم ، والرب واحد ؟

قال : أما النعمة والافضال والإحسان ، فعموم للجميع ، قد غمرتنا كلنا .

ولكنا خصصنا بحسن الاعتماد ، وصحة الرأي ، والإقرار بالحق ، والإيمان ، والتسليم له ، وصدق المعاملة : من محاسبة النفس ، وملازمة الطريق ، وتفقد تصاريف الأحوال الطارئة من الغيب ، ومراعاة القلب بما يرد عليه من الخواطر والوحي “ 3 “ والإلهام ساعة فساعة .

.....................................................................

( 1 ) هكذا في المخطوطة ، وقوله : بالنسبة : أي بالقدر والقيمة .

( 2 ) في المخطوطة “ ربنا خير معاملة تكون “ وهي إن صحت في الأصل الذي نقل عنه فعلى تقدير “ عاملنا ربنا “ . . . الخ .

( 3 ) الإرشاد الإلهي عن طريق القلب ، ومنه قوله تعالى :وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِواللّه تعالى أعلم .

قال الراهب : زدني في البيان ؟

قال المجتاز : أزيدك ، اسمع ما أقول ، وأفهم ما تسمع ، واعقل ما تفهم .

“ إن اللّه جل بقاؤه : لما خلق الإنسان من طين ، ولم يكن قبل شيئا مذكورا ، ثم جعل نسله من ماء مهين - نظفة في قرار مكين - ثم قلبه حالا بعد حال : تسعة أشهر ، إلى أن أخرجه هناك خلقا سويا ، بنية صحيحة ، وصورة تامة ، وقامة منتصبة ، وحواس سالمة ، ثم زود من هنا “ 1 “ لبنا خالصا لذيذا سائغا للشاربين : حولين كاملين “ 2 “ ثم رباه وأنشأه وأنماه بفنون لطفه ، وغرائب حكمته ، إلى أن بلغه أشده واستوى ، ثم آتاه حكما “ 3 “ وعلما ، وأعطاه : قلبا ذكيا ، وسمعا وعيا ، وبصرا حادا ، وذوقا لذيذا ، وفما طيبا ، ولمسا لينا ، ولسانا ناطقا ، وعقلا صحيحا ، وفهما جيدا ، وذهنا صافيا ، وتمييزا وفكرة ، ورؤية وإرادة مشيئة ، واختيارا وجوارح طائعة ، ويدين صانعتين ، ورجلين ساعيتين ، ثم علمه الفصاحة والبيان ، والصنائع والحرف ، والحرث والزراعة ، والبيع والشراء ، والتصرف في المعاش ، وطلب وجوه المنافع ، واتخاذ البنيان ، وطلب العزة والسلطان ، والأمر والنهي ، والرئاسة ، والتدبير والسياسة ، وسخر له ما في الأرض جميعا “ 4 “ : من الحيوان والنبات وجواهر المعادن ، فغدا متحكما عليها : تحكم الأرباب “ 5 “ متصرفا فيها تصرف الملاك ، متمتعا بها إلى حين .

........................................................

( 1 ) لعله أشار المجتاز إلى “ ثندوته “ ، وهي مكان “ الثدي “ من المرأة .

( 2 ) من قوله تعالى :وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَالآية 233 من سورة البقرة .

( 3 ) بمعنى : حكمة .

( 4 ) من قوله تعالى :هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاًالآية : 29 من سورة البقرة ، وقوله تعالى :وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَالآية : 13 من سورة الجاثية .

( 5 ) أرباب الشيء : المالكون له ، فرب الدار : مالكها ، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف -

ثم إن اللّه جلّ ثناؤه : أراد أن يزيد في فضله وإحسانه ، وجوده وأنعامه فنا آخر ، هو أشرف وأجل من هذه التي تقدم ذكرها ، وهو ما أكرم من ملائكته وخالص عباده وأهل وداده في النعيم الأبدي ، الذي لا يشوبه شيء من النقص ، ولا من التنغيص « 1 » ، إذ كان نعيم الدنيا مشوبا بالبؤس ، ولذاتها بالآلام ، وسرورها بالحزن ، وفرحها بالغم ، وراحتها بالتعب ، وعزها بالذل ، وصفوها بالكدر ، وغناها بالفقر ، وصحتها بالسقم .

وأهلها فيها : معذبون في صورة المنعمين ، مغرورون في صورة الواثقين ، مهانون في صورة المكرمين ، وجلون في صور المطمئنين ، خائفون مترددون بين المتضادين : نور وظلمة ، وليل ونهار ، وصيف وشتاء ، وحر وبرد ، ورطب ويابس ، وعطش وري ، وجوع وشبع ، ونوم ويقظة ، وراحة وتعب ، وشباب وهرم ، وقوة وضعف ، وحياة وموت ، وما يشاكل هذه الأمور التي أهل الدنيا وأبناؤها فيها مترددون ، مدفوعون إليها ، متحيرون .

فأراد ربي - أيها الراهب - أن يخلصهم من هذه الأمور ، والآلام المشوبة باللذات ، وينقلهم منها إلى : نعيم لا بؤس فيه ، ولذة لا ألم فيها ، وسرور بلا حزن ، وفرح بلا غم ، وعز بلا ذل ، وكرامة بلا هوان ، وراحة بلا تعب ، وصفو بلا كدر ، وأمن بلا خوف ، وغني بلا فقر ، وصحة بلا سقم ، وحياة بلا موت ، وشباب بلا هرم ، ومودة بين أهلها ، وزينة .

فهم في نور لا يشوبه ظلمة ، ويقظة بلا نوم ، وذكر بل

...................................................

( 1 ) المقصود : إنه لا هو ناقص ، ولا منغص أحد .

غفلة « 1 » ، وعلم بلا جهالة ، وصداقة بين أهلها بلا عداوة ، ولا حسد ، ولا غيبة - أخوانا على سرر متقابلين - آمنين مطمئنين ، أبد الآبدين .

ولما لم يمكن الإنسان أن يكون بهذا الجسد الحسي ، والجسم الطويل العريض العميق المظلم ، المركب من أجزاء الأركان المتضادة ، المؤلف من الأخلاط الأربعة ، إذ كان هذا لا يليق بتلك الأوصاف الصافية ، والأحوال الباقية ، فاقتضت العناية بواجب حكمة الباري جل ثناؤه : أن ينشئ خلقا نشأ آخر ،

كما ذكر في قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ النشأة الآخرة ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فبعث اللّه جل ثناؤه لهذا السبب أنبياء إلى عباده ، يبشرونهم بها ويدعونهم إليها ، ويرغبونهم فيها ، ويدلونهم على طريقها : يطلبونها : مستعدين قبل الورود إليها .

ولكيما يسهل عليهم مفارقة مألوفات الدنيا من شهواتها ولذاتها ، ويخفف عليهم أيضا شدائد الدنيا ومصائبها ، إذ كانوا يرجون بعدها ما يعمرها : ويمحو ما قبلها من نعيم الدنيا وبؤسها ، ويحذرون فوت نعيمها « 2 » ، فإنه من فاتته فقد خسر خسرانا مبينا .

فهذا هو ديننا واعتقادنا - يا راهب - في معاملتنا مع ربنا وبهذا الاعتقاد طاب عيشنا في الدنيا ، وسهل علينا الزهد فيها وترك

.................................................................

( 1 ) كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :

“ ان أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ، ولا يتفلون ولا يبولون ، ولا يتغوطون ، ولا يمتخطون .

قالوا : فما بال الطعام :

قال : جشاء ، [ أو رشح ] كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتحميد - وفي رواية :

“ التكبير “ - كما تلهمون النفس رواه مسلم ، ورواه الإمام أحمد ، وأبو داوود ، وغيرهم .

( 2 ) “ يحذرون فوت نعيمها “ الضمير فيها راجع إلى الجنة .

شهواتها ، واشتدت رغبتنا في الآخرة ، وزاد حرصنا في طلبها ، وخف علينا كد العبادة ، فلا نحس بها ، بل نرى ذلك نعمة وكرامة ، وعزا وشرفا ، حين جعلنا أهلا أن نذكره ، إذ هدى قلوبنا وشرح صدورنا ، ونور أبصارنا ، لما تعرف إلينا بكثرة أعمالنا “ 1 “ وفنون إحسانه “ .

فقال الراهب : جزاك اللّه خيرا من واعظ ما أبلغه ، ومن ذاكر أحسانه ما أرفعه ، ومن هاد رشيد : ما أبصره ، وخطيب رفيق : ما أحزمه، ومن أخ ناصح : ما أشفقه “ 2 “

وقال لقمان لابنه : “ يا بني جالس العلماء ، وزاحمهم بركبتيك ، فإن اللّه جل ثناؤه يحيي القلوب الميتة بنور العلم ، كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء ، وإيّاك ومنازعة العلماء ، فإن الحكمة نزلت من السماء صافية ، فلما تعلمها الرجال : صرفوها إلى هوى نفوسهم “ .

وقال بعضهم : “ مثل العالم الراغب في الدنيا ، الحريص في طلب شهواتها ، كمثل الطبيب المداوي غيره المرض نفسه ، فلا يرجى منه الصلاح ، فكيف يشفى غيره ؟ “ “ 3 “ .

.............................................................

( 1 ) بكسر الهمزة لا بفتحها : يعني استعملنا في الخير ، وجعلنا من أهله ، فالحمد للّه على فضله وجوده ، قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ الآية : 58 من سورة يونس صلى الله عليه وسلم وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :

“ إنكم تدخلون الجنة بفضل اللّه ، وتقتسمونها بأعمالكم “ .

( 2 ) ومعنى هذا : إن الراهب اهتدى وأسلم ، والحمد للّه رب العالمين .

( 3 ) وقال بعض أفاضل العلماء العاملين ( رضي اللّه عنهم ) :

“ إذا اشتغل العلماء بجمع المال الحلال : صارت العوام تأكل الشبهة ، وإذا صارت العلماء تأكل الشبهة : صارت العامة تأكل الحرام ، وإذا صارت العلماء تأكل الحرام : صارت العوام كفارا ، لأن العلماء إذا جمعوا الحلال فالعوام يقتدون بهم في الجمع ، ولا يحسنون العلم ، فيقعون في الشبهة .

وأما إذا أخذ العلماء من الشبهة ، وتحرزوا عن الحرام ، فيقتدي بهم الجهال ، ولا يميزون بين الشبهة والحرام ، فيقعون في الحرام .

فإذا أخذ العلماء من الحرام : اقتدى الجهال بهم ، وظنوا أنه حلال ، فيكفرون إذا استحلوا الحرام “ أ . ه واللّه تعالى أعلم .

وقال عيسى عليه السلام ، وفي بعض مواعظه لبني إسرائيل :

“ أيها العلماء ، وأيها الفقهاء : قعدتم على طريق الآخرة ، فلا أنتم تسيرون إليها فتدخلون الجنة ، ولا تتركون أحدا يجوزكم ويصل إليها “ .

وإن الجاهل أعذر من العالم ، وليس لواحد منهما عذر “ 1 “ .

وقال بعضهم : “ من ترك الشغل بفضول الدنيا ، فهو : زاهد .

ومن أنصف في المودة : وقام بحقوق الناس ، فهو : متواضع .

ومن كظم الغيظ ، واحتمل الضيم ، والتزم الصبر فهو : حكيم .

ومن تمسك بالعدل ، وترك فضول الكلام ، وأوجز في النطق ، وترك ما لا يعنيه ، واقتصر في أموره ، فهو : عابد “ .

وقيل : إن وليا من أولياء اللّه تعالى لما تفكر في أمر التكليف ، والبلوى ، ولم يتجه ، وجه الحكم فيها ، قال في مناجاته : ونادى ربه :

“ يا رب خلقتني ولم تستأمرني ، وتميتني ولا تستشيرني ، وأمرتني ونهيتني ولم تخبرني ، وسلطت على هوي مرديا ، وشيطانا مغويا ، وركبت في نفسي شهوات مركوزة ، وجعلت بين عيني دنيا مزينة ، ثم خوفتني ، وزجرتني بوعيد وتهديد ، فقلت - استقم كما أمرت - - أو - لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيلي - واحذر الشيطان أن يغويك ، والدنيا أن تغرك ، وتجنب شهواتك لا ترديك ، وآمالك وأمانيك لا تلهيك ، وأوصيك بأبناء جنسك فدارهم ، ومعيشة الدنيا فاطلبها من حلال ، والآخرة فلا تنسها ، ولا تعرض عنها فتخسر الدنيا والآخرةذلِكَ هُوَ

.............................................................

( 1 ) لا يعذر الجاهل بجهله ، لأنه سيقال له : لم لم تتعلم ، أما العالم فمصيبته أشد المصائب ، لأن مصيبة الجاهل على نفسه ، وأما العالم فمصائب الناس على رأسه ، ونعوذ باللّه من علم نهايته إلى النار .

الْخُسْرانُ الْمُبِينُ فقد فصلت يا رب بين أمور متضادة ، وقوى متجاذبة ، وأحوال متباينة ، فلا أدري كيف أعمل ولا أهتدي .

أي شيء أصنع وقد تحيرت في أموري وضللت في حيرتي ، فأدركني يا رب ، وخذ بيدي ، ودلني على سبيل نجاتي ، وإلّا هلكت " .

فأوحى اللّه إليه ، وألقى في سره وألهمه إياه ، فقال له :

" عبدي ، إنما أمرتك « 1 » لتعلم أن لك ربا هو خالقك ورازقك ، ومصورك ومنشئك ، وحافظك وهاديك ، وناصرك ومغنيك .

ولتعلم أيضا بأنك محتاج - في جميع ما نهيتك عنه - إلى عصمتي وحفظي ورعايتي ، وإنك لي محتاج في جميع تصرفاتك وأحوالك : في جميع أوقاتك ، ومن أمور دنياك وآخرتك ، ليلا ونهارا ، فإنه لا يخفي على من أمورك صغير ولا كبير ، ولا سر ولا علانية ، وليتبين لك ، وتعرف أنك مفتقر ومحتاج إلي ، فلا بد لك مني ،

فعند ذلك : لا تعرض عني ، ولا تتشاغل عني ، ولا تنسني ، ولا تتشاغل بغيري ، بل تكون في دائم الأوقات في ذكري ، وجميع حوائجك تسألني ، وفي جميع متصرفاتك تخاطبني ، وفي جميع خلواتك تناجيني وتشاهدني وتراقبني ، وتكون منقطعا إلى من جميع خلقي ، ومتصلا بي دونهم ، وتعلم بأني معك : حيث ما تكون قدامك « 2 » .

وإن لم ترني ، فإذا أردت هذه كلها ، وتنقلب ، وبان لك حقيقة ما قلته ، وصحة ما وصفت : تركت كل شيء وراءك ، وأقبلت إلي وحدك .

.......................................................

( 1 ) في المخطوطة : “ عبدي فعلته لمن إنما أمرتك “ وواضح أنه خطأ من الناسخ ، أو فيه كلام منطوط ، واللّه تعالى أعلم .

( 2 ) كما تقول لرجل آخر : أنني قدامك في هذا الأمر : كناية عن الإعانة والعناية به .

فعند ذلك : أقربك مني ، وأوصلك إلي ، وأرفعك عندي ، وتكون من أوليائي وأصفيائي وأهل جنتي ، في جواري ، مع ملائكتي ، مكرما مفضلا مسرورا ، فرحانا منعما ، ملذذا ، آمنا ، تبقى سرمدا أبدا دائما .

فلا تظن بي يا عبدي سوءا ، ولا تتوهم على غير الحق ، واذكر سالف أنعامي ، وقديم إحساني إليك ، وجميل آلائي لديك ، إذ خلقتك وَلَمْ تَكُ شَيْئاً مذكورا خلقا سويا ، وجعلنا لك سمعا لطيفا ، ونظرا حادا ، وحواس دراكة ، وقلبا ذكيا ، وفهما ثاقبا ، وذهنا صافيا ، وفكرا لطيفا ، ولسانا فصيحا ، وعقلا رصينا وبنية تامة ، وصورة حسنة ، وحسا دراكا ، وأعضاء صحيحة ، وأدوات كاملة ، وجوارح طائعة .

ثم ألهمتك الكلام والمقال ، وعرفتك المنافع والمضار ، وكيفية التصرف في الأموال والصنائع والأعمال ، وكشفت الحجب عن بصرك ، وفتحت عينيك للنظر إلى ملوكتي ، وترى مجاري الليل والنهار ، والأفلاك الدوارة ، والكواكب السيارة ، وعلمتك حساب الأوقات والأزمان ، والشهور والأعوام ، والسنين والأيام ، وسخرت لك ما في البر والبحر من المعادن والنبات والحيوان ، تتصرف فيها تصرف الملاك ، وتتحكم عليها تحكم الأرباب .

فلما رأيتك متعديا جائرا ، باغيا خائنا ، ظالما طاغيا ، متجاوزا الحد والمقدار ، والعدل والانصاف ، والحق والصواب ، والخير والمعروف ، والسيرة العادلة : ليدوم لك الفضل والنعيم ، وينصرف عنك الأذى والنقم ، وعرضتك لما هو خير لك وأفضل وأشرف ، وأعز وأكرم ، وألذ وأنعم .

ثم أنت تظن في ظنون السوء ، وتتوهم على غير الحق .

يا عبدي : إذا تعذر عليك فعل شيء مما أمرتك به فقل : ل

حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم ، كما قالت حملة العرش لما ثقل عليهم حمله .

فإذا أصابتك مصيبة فقل - إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ كما يقول أهل صفوتي ومودتي .

وإذا زلت بك القدمان في معصيتي ،

فقل كما قال صفيي آدم وزوجته - عليه السلام رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ .

وإذا أشكل عليك أمر ، وأهمك رأي ، أو أردت رشدا وقولا صوابا ،

فقل كما قال خليلي إبراهيم عليه السلام الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ « 1 » .

وإذا أصابتك مصيبة غم ، فقل كما قال يعقوب : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ .

وإذا جرت خطيئة ، فقل كما قال كليمي موسى عليه السلام هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ .

وإذا صرفت عنك معصيتي ، فقل كما قال يوسف عليه السلام م

..................................................................

( 1 ) الآيات من 78 - 89 من سورة الشعراء ، وليست هذه الآيات كلها في المخطوطة ، وإنما فيها [ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ إلى قوله : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ] :

فأوردت الآيات كاملة إتماما للفائدة .

أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » .

وإذا أبتليت بفتنة ، فافعل كما فعل داوود خليفتي فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ .

وإذا رأيت العصاة من خلقي ، والخاطئين من عبادي ، ولم تدر ما حكمي فيهم ، فقل كما قال المسيح عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

وإذا استغفرتني وطلبت عفوي ، فقل كما قال حبيبي محمد ( صلوات اللّه عليه وعلى أنصاره ) رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ .

وإذا خفت عواقب الأمور ، ولم تدر بماذا يختم لك فقل كما يقول أصفيائي : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ .

.................................................

( 1 ) في الواقع أن هذا الكلام من كلام امرأة العزيز ، لأن سياق الكلام يقتضي هذا ، وأما الذي قاله ذلك الولي : فله فيه سلف منهم مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وابن أبي الهذيل ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي وغيرهم .

قال ابن كثير ( رحمه اللّه تعالى ) - وكان قد ذكر أن هذا الكلام : كلام المرأة ، لا كلام يوسف صلى الله عليه وسلم - ، قال : “ والقول الأول أقوى وأظهر ، لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك “ . ا ه .


بعض كتب الشيخ الأكبر

[كتاب الجلالة وهو اسم الله] [التجليات الإلهية وشرحها: كشف الغايات] [ترجمان الأشواق وشرحه: الذخائر والأعلاق] [مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم] [التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية] [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب] [كتاب كلام العبادلة] [كتاب إنشاء الدوائر والجداول] [كتاب كنه ما لابد للمريد منه] [الإسرا إلى المقام الأسرى] [كتاب عقلة المستوفز] [كتاب اصطلاح الصوفية] [تاج التراجم في إشارات العلم ولطائف الفهم] [كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل] [الوصية إلى العلوم الذوقية والمعارف الكشفية ] [إشارات في تفسير القرآن الكريم] [الفتوحات المكية] [فصوص الحكم] [رسالة روح القدس في مناصحة النفس] [كتاب الأزل - ثمانية وثلاثين] [أسرار أبواب الفتوحات] [رسالة فهرست المصنفات] [الإجازة إلى الملك المظفر] [محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار] [رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار] [حلية الأبدال وما يظهر عنها من المعارف والأحوال] [كتاب الألف وهو كتاب الأحدية] [كتاب العظمة] [كتاب الباء] [كتاب الياء وهو كتاب الهو] [كتاب الحروف الدورية: الميم والواو والنون] [رسالة إلى الشيخ فخر الدين الرازي] [الإسفار عن نتائج الأسفار] [كتاب الشاهد] [الحكم الحاتمية] [الفناء في المشاهدة] [القسم الإلهي] [أيام الشأن] [كتاب القربة] [منزل القطب ومقاله وحاله] [منزل المنازل الفهوانية] [المدخل إلى المقصد الأسمى في الإشارات] [الجلال والجمال] [ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا] [رسالة المضادة بين الظاهر والباطن] [رسالة الانتصار] [سؤال اسمعيل بن سودكين] [كتاب المسائل] [كتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام]

شروحات ومختصرات لكتاب الفتوحات المكية:

[اليواقيت والجواهر، للشعراني] [الكبريت الأحمر، للشعراني] [أنفس الواردات، لعبد اللّه البسنوي] [شرح مشكلات الفتوحات، لعبد الكريم الجيلي] [المواقف للأمير عبد القادر الجزائري] [المعجم الصوفي - الحكمة في حدود الكلمة]

شروح وتعليقات على كتاب فصوص الحكم:

[متن فصوص الحكم] [نقش فصوص الحكم] [كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح فصوص الحكم] [كتاب شرح فصوص الحكم] [كتاب جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص] [شرح الكتاب فصوص الحكم] [كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم] [كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح ا فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي] [كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص] [تعليقات على فصوص الحكم] [شرح كلمات فصوص الحكم] [المفاتيح الوجودية والقرآنیة لفصوص حكم]

بعض الكتب الأخرى:

[كتاب الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى الترمذي] [الرسالة القشيرية] [قواعد التصوف] [كتاب شمس المغرب]

بعض الكتب الأخرى التي لم يتم تنسيقها:

[الكتب] [النصوص] [الإسفار عن رسالة الأنوار] [السبجة السوداء] [تنبيه الغبي] [تنبيهات] [الإنسان الكامل] [تهذيب الأخلاق] [نفائس العرفان] [الخلوة المطلقة] [التوجه الأتم] [الموعظة الحسنة] [شجرة الكون]



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!